Wednesday, April 13, 2011

إلغاء عنصريةّ الثورات

AlAkhbar today.

إلغاء عنصريةّ الثورات


معارضة إيرانية خلال الاحتجاجات في حزيران 2009 (أرشيف ــ أ ب)
حميد دباشي


...
الكشف عن هوية «الآخر»
هذه التعابير المجازية ليست إلا لمحة عن أعمال العنف العنصريّة ـــــ هذا العنف المرتكب دائماً من الآخرين وليس ممارساً من قبل «الذات» ـــــ التي تعطي طابعاً عنصرياً للانتفاضات الثوريّة في منطقتنا وهي وصمة عار، وليست إلا جزءاً من ثقافتنا المحليّة ومن البقايا القديمة العنصريّة من القرون الوسطى. يتفاقم استخدام هذه التعابير، ويعاد استعمالها بطريقة سيّئة لتحقيرنا وإخضاعنا من قبل الاستعمار الأوروبي لتعزيز مصالحه الخاصة، وقد عادت الآن، لتطارد أنبل لحظات الانتفاضة الجماعية ضدّ الاستبداد الداخلي والهيمنة الأجنبية، على حدّ سواء.
المظاهر العنصرية هذه، متعددة الأوجه ولا تنحصر بالتظاهرات وبزخمها الثوري الجارف أو بالنضال الإلكتروني المجهول الهويّة. إنها للأسف تمتدّ إلى الزوايا الهادئة للتحاليل والمداولات العقلانية.
ذلك التحديد العرقي لبعض العرب بين أعضاء الأجهزة الأمنية للجمهورية الإسلامية من بعض الناشطين الإيرانيين قوبل بالنبذ التام للثورة الشعبية من أجل حقوق الإنسان في إيران، من قبل بعض المثقّفين العرب (وليس جميعهم). وقد رأى هؤلاء أنّ هذه الانتفاضة الشعبية هي جزء من مخطّط أميركي إسرائيلي، بتمويل من المملكة العربية السعودية، مساوين بالمطلق بينها وبين «ثورة الأرز» في لبنان.
وقد قوبلت هذه التفاهة بأخرى متساوية، إن لم نقل أكبر، من بعض الناشطين الإيرانيين، وصلت إلى حدّ نبذ وتسخيف كلّ من ثورتي مصر وتونس ووضعهما في خانة «الانقلابات العسكرية المبجّلة». وفي أحسن الأحوال، تفاخروا بأنّ «العرب» يقومون اليوم بما «فعلناه» قبل ثلاثين سنة، مستنتجين «أنّهم» (أي العرب) متأخرون عن الإيرانيين على الأقلّ بثلاثين عاماً.
إنّ هذه الحلقة المفرغة من العنصرية تتغذى من نفسها، ويجب اقتلاع هذه الخلايا السرطانية من جسمنا السياسي.
«الآخر» عند العرب
جذور العنصريّة التي يتبادلها الإيرانيون والعرب تجاه بعضهم البعض، بالإضافة الى العنصريّة المشتركة بين هؤلاء تجاه «الأفارقة السود»، بشعة جدّاً ومقلقة، ولا تستحقّ أن نعرضها الآن في هذه اللحظات الرّائعة من تاريخنا جميعاً. يجب أن تعالج مظاهر وأبعاد هذه العنصرية، فقط من منطلق أنّها تدلّ على تحرر جماعي من فخّ العنصرية التي تتحوّل إلى عنف عرقي.
من جانب العرب، كما برهن جوزف مسعد في كتابه «اشتهاء العرب» (2007)، فإنّه في عزّ صعود القومية العربية كانت عبارة «فارسي» المجازية ترتبط مباشرة بكل أنواع الفساد والإفساد الأخلاقي والانحراف الجنسيّ. وبذلك تصبح «الرجولة» و«الاستقامة الجنسية» مخصصة «للعرب».
لقد تبيّن في الواقع أنّ رؤية مسعد تجلّت بوضوح في السخرية والانتقاد الموجه إلى الحركة الخضراء. فالإيرانيات، وفق ذلك التقدير، اعتبرن أنثويات كثيراً، جميلات أكثر من اللزوم، وضعيفات أكثر من اللزوم، وبرجوازيات (من الطبقة الوسطى) أكثر من اللزوم، وأنيقات جداً (انظروا إلى أولئك النسوة الجميلات وإلى تصفيفة شعرهنّ ونظّارات الشمس الخاصة بهنّ) ليحصلن على انتفاضة خاصّة بهن، ومثل سائر النساء هنّ بحاجة إلى مساعدة الدّول العظمى.
«الثورة الحقيقية» هي ما قام به «الرجال الحقيقيون» في «العالم العربي»، وليس فقط من دون مساعدة أميركية بل في الواقع ضدّ الإمبريالية الأميركية.
وفيما أعطي للحركة الإيرانيّة الخضراء طابع نسائي (وذلك بتبني فكرة أنّها ضعيفة، يشوبها عيوب، وقد تمّ التلاعب بها من قبل «الغرب»)، تعدّ ثورات تونس ومصر ذكورية وقومية عربية.
إذا ما تمعّنا في رؤية مسعد، يمكننا القول إنّ خشية القومية العربية الذكورية حيال المثليين، تظهر بشكل كبير في اعتبار الحركة الخضراء أمراً أنثويّاً ورقيقاً، ينتمي إلى الطبقة الوسطى، وبورجوازياً، والأهم أنّها مدعومة من «القوى العظمى».
...
الطابع العنصري للثورات
بنيت على هذه المبارزات وعلى عنصريتها العمياء مشاريع قومية شكّلت السمة المميّزة والكارثية لتاريخنا، في فترة ما بعد الاستعمار، خلال القرن الفائت.
وبينما كانت القومية الإيرانية تتنافس مع القومية التركية في آسيا الوسطى، ومع القومية العربية في آسيا الغربية وشمال أفريقيا، فإنّ مصيبتهم المشتركة ومحاكاتهم السخيفة للغرب ساعدتهم على صناعة واعتماد التعصّب الأعمى ضدّ «الأفارقة السود».
النزعة الحالية لتحويل الانتفاضات الثورية العابرة للحدود إلى صراعات عنصرية جزء من هذا التاريخ الرهيب، وإذا لم نستأصلها، فستودي بنا في دوامة لا نهاية لها، في وقت نظنّ فيه أنفسنا قد تحررنا.
وكما قال المخرج السينمائي والصحافي فرج سيفينزو من زيمبابوي:
«بالنسبة إلى أعمال العنف خلال الأسبوعين الماضيين (منتصف شهر شباط 2011 في ليبيا)، تبيّن أنّ علاقات العقيد القذافي في القارة الأفريقية ساهمت فقط في إحياء عنصرية، لها جذور عميقة أصلاً، بين العرب والأفارقة السّود. وبينما كان المرتزقة، الذين أشيع أنّهم من التشاد ومالي، يقاتلون من أجله، كان مليون لاجئ أفريقي، والمئات من العمال المهاجرين الأفارقة يتعرّضون للخطر وللقتل بسبب نسبهم كمقاتلين للقذافي».
ويضيف سيفينزو: «قال أحد عمّال البناء الأتراك لقناة بي بي سي: «كان هناك سبعون أو ثمانون عاملاً من التشاد يعملون لمصلحة شركتنا، وقد قتلوا بواسطة الفؤوس، وقال أحد المهاجمين لهم: «أنتم تعملون لمصلحة قوّات القذافي». لقد رأينا ذلك بأعيننا وذبح السودانيون أيضاً».
مظاهر العنف العرقي تلك ليست وحدها السبب الذي يدفع الملايين من الناس، من السنغال إلى جيبوتي، ومن المغرب إلى أفغانستان، ومن إيران إلى اليمن، إلى الحلم بأيام أفضل لأنفسهم ولأولادهم.

الطابع العنصري للعنف
إعطاء طابع عنصري للعنف هو أحد آخر بقايا العنصرية الاستعمارية التي عرفتها روما، وكذلك في وقت لاحق الجمهورية الفرنسية القديمة. إنّه منطق «فرّق تسد» أو «فرّق تحكم»، وهو قول مأثور استخدمه ماكيافيللي في كتابه «فنّ الحرب» (1520).
ا
لسجل الإجرامي للاستعمار الأوروبي في آسيا وأفريقيا مليء بهذه الاستراتيجية الغادرة. فألمانيا وبلجيكا على حدّ سواء قد مارستا هذه الاستراتيجية، عن طريق تعيين أعضاء من أقلية التوتسي في مناصب السلطة. وقد نتج من ذلك لاحقاً إبادة جماعية في الرواندا بسبب الشحن العرقيّ بين جماعات الهوتو والتوتسي، الذي كان من صنع المستعمر. وكان للبريطانيين تصرّف مماثل في تطبيق عقيدتهم الاستعمارية، حين حكموا السودان، وساهموا في الانقسام بين الشمال والجنوب، ما أدّى إلى حروب أهلية سودانية متتالية.
التاريخ الاستعماري لبقية القارّة الافريقية مليء بالانقسامات المماثلة، كما في آسيا ـــــ وخاصّة في الهند حيث كان للبريطانيين دور فعال ليس فقط في إعادة العمل بالنظام الطبقي لفوائده الاستعمارية، ولكن أيضاً في إثارة العداء بين المسلمين والهندوس، ما أدى في نهاية المطاف الى التقسيم الكارثي بين الهند وباكستان، على أساس ديني.
وقد جدّد المستعمر طرقه القديمة من أجل بسط سيطرته. فبعد غزو العراق، الذي قادته الولايات المتّحدة، كتب سيّد والي رضى نصر، وهو عالم استراتيجي أميركي، من دون أي بحث علمي مسبق، تحليلاً عن الانشقاق السنيّ ـــــ الشيعيّ بعنوان «صحوة الشيعة»، كيف ستعيد الانقسامات داخل الدين الإسلامي رسم المستقبل» (2006). ألقى اللوم في ما يتعلّق بالمجازر في العراق على الحروب بين السنّة والشيعة، ووجد ترابطاً كبيراً بين تلك الأحداث والعداء الاستراتيجي بين الجمهورية الإسلامية والمملكة العربية السعودية. التدخّل المدروس والاستراتيجي للولايات المتحدة في غزوها للعراق، جعلها تظهر بصورة السامري الصالح وكمتأمّل بريء.
كانت هذه الاستراتيجية ناجحة جداً، حتى أنّ الكتاب أصبح من أكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة، فيما استدعي المؤلّف في وقت لاحق، للعمل ضمن الفريق الدبلوماسي للولايات المتّحدة للتوصّل إلى نتيحة تخرح أميركا من الفشل المستمرّ في أفغانستان.

تضامن الجيل الجديد
...

كتب ناشطون آخرون، كردّة فعل على المشاعر المعادية للعرب في الحركة الخضراء، مقالات عدّة عن الفنان الفلسطيني ناجي العلي وشخصية حنظلة، وسرعان ما ظهر البطل الفلسطيني الرمزي بوشاح أخضر يرافق المتظاهرين في طهران. وفي اليوم الذي تنحّى فيه حسني مبارك، أبدى أوّل شاب مصري قابلته قناة «بي بي سي»، تضامناً كبيراً مع الثوار الإيرانيين، معتبراً أنّ إيران ستكون التالية. ذلك الشاب كان وائل غنيم، أحد الشباب الناشطين عبر الإنترنت، الذي يلبس عصبة خضراء على معصمه حين يتوجّه إلى المحتشدين في ساحة التحرير، وقال إنّه سعيد بأنّ الإيرانيين اعتبروا العصبة تتضامن مع قضيتهم.
ترسم هذه الثورات الخطوط العريضة لإمكانات بشرية جديدة، إن من ناحية ارتكازاتها الاقتصادية أو من ناحية تطلّعاتها السياسية. إمكانات تتخطى بشاعة العنف العنصري والتمييز الجنسي والانقسام الطبقيّ الفاحش.



No comments:

Post a Comment