Tuesday, April 19, 2011

فــي منــزل «زيكــو» فــي الصنائــع: عمال من جنسيات مختلفة يجتمعون لتعلّم اللغة... وأكثر


قصص خلف التطوّع.. وقصص خلف التعلّم (فادي أبو غليوم)
أوراق ألصقت على جدران في شارع الحمراء، تخبر عن تقديم صفوف مجانية باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، للعاملين والعاملات الأجانب في لبنان، كل يوم أحد ظهراً، في «زيكو هاوس» في الصنائع.
في البدء، ربما يثير الخبر شيئاً من الدهشة، فالمجتمع اللبناني لا يهتمّ كثيراً بجهل العمّال الأجانب للغة يتواصلون معه عبرها، إلا من باب التقييم السلبي أو الإيجابي للخدمات المنزلية. ولا يخبر الملصق شيئاً عن هوية الجهة التي تقدم الخدمة المذكورة، باستثناء رقم الهاتف.
«كي يدافعوا عن أنفسهم»
يشرح أليكس شمس، وهو أحد منظمي المبادرة، أن القائمين على المشروع هم مجموعة من المدونين اللبنانيين والأجانب الذين يهتمون بشؤون العمال الأجانب، ويوضح «لقد وجدنا، من خلال مشاهداتنا، أن هناك عمالاً لا ينطقون بغير لغاتهم الأم، وبالتالي، هم يعجزون عن التعبير عن أنفسهم وعن التواصل مع الناس، ما يدفع بالكثيرين إلى استغلالهم وإساءة التعامل معهم».
لذلك، «ولأننا لا نستطيع إحداث أي تغيير في عقلية المجتمع اللبناني ليصبح ضد العنصرية، ولا في تحسين الواقع في بلادنا، قررنا أن نعمل مع العمال لمساعدتهم كي يدافعوا عن أنفسهم».
وبعد موافقة عدد من زملاء شمس، من مدونين وناشطين، على الاشتراك في المشروع، بدأت رحلة البحث عن مكان يحتضنه: «بدأنا في مقهى «ة - مربوطة». كنت أعلم أنهم يحبون الأفكار الجديدة، فرحبوا بالفكرة، وبدأنا بإعطاء الدروس هناك». غير أن كثرة توافد «التلامذة العمال» استوجب البحث عن مكان يتسع لأعداد أكبر، فتم الاتفاق مع زيكو».
وقد بلغ عدد الطلاب حالياً مئة طالب، يدرّسهم أربعون متطوعاً، معظمهم من طلاب الجامعات، ومن جنسيات مختلفة، مقيمون في لبنان.
وفي موقعهم الالكتروني، يعرّف شمس ورفاقه عن أنفسهم بأنهم «مجموعة من الناشطين اللبنانيين والأجانب الذين التزموا الدفاع عن قضايا العمال المهاجرين ومساعدتهم في مواجهة التحديات التي تعترضهم في المجتمع اللبناني». وعن عدم مواكبة الإعلام للمشروع، يلفت شمس إلى أنهم، في المجموعة، «وعلى عكس أكثرية المنظمات التي تحب الظهور، قررنا ألا نفكر أو نركز على موضوع الإعلام، إلا بعد أن نحقق إنجازاً ما».
واللافت هو أن معظم العمّال المشاركين في المشروع فضلوا تعلّم اللغتين الإنكليزية والفرنسية، على العربية، لما لهما من أفق عالمي.
لذلك، يتعلمون اللغات
في منزل «زيكو»، يوم الأحد، يتدفق عشرات الأشخاص من الجاليات الأثيوبية، والسودانية، والفليبينية. يتوافدون واحداً تلو الآخر، إلى القاعة.
قبل بدء الصف، يتسامر الرفاق في ما بينهم، في الباحة الخارجية. يتبادلون التحية، يتحدثون ببعض الإنكليزية، يستقبلون كل طالب جديد بابتسامة تبعث في نفسه الاطمئنان إلى أنه يقدم على خطوة آمنة ومفيدة.
ولأن اللغة الإنكليزية تعتبر لغة التواصل العالمية، قرر موسى (سوداني) أن يرتاد منزل «زيكو». و«لأن وضعنا كسودانيين لا يسمح لنا أن نتعلم اللغة في مراكز غير مجّانية»، يعتبر موسى أن «هذه الصفوف هي فرصة لا تعوّض من أجل تعلم اللغة الإنكليزية والتطور». يتشارك موسى مع عدد من الأصدقاء الرأي حول ضرورة تعلم الإنكليزية لموقعها العالمي: «فمن لا يتكلم الإنكليزية فهو أمّي»، بالنسبة إلى قاسم (سوداني) الذي بدأ دروسه قبل أسبوعين.
تصل ميراسول، وهي فيليبينية، برفقة ابنتها التي تخدم في أحد بيوت الأشرفية، إلى الصف، بهدف تعلّم اللغة الفرنسية. وتختلف أسباب التعلّم بين الأم وبين الإبنة، إذ لا تحب الأم أن تسمع من يتحدّث بالفرنسية من دون أن تفهم كلمة مما يقوله، كما أن اللغة الفرنسية أصبحت تدرّس أو تتداول في الفيليبين، بحسب ميراسول. هكذا، وبعدما قرأت الإعلان عن صفوف اللغة المجانية (الملصق يقدم معلوماته بلغات الجاليات العاملة في لبنان)، دفعها حب المعرفة إلى الالتحاق بالصفوف، لمواكبة ركب اللغة بين الأصدقاء وفي الوطن الأم. أما الإبنة فاختارت تعلّم الفرنسية، لأن أصحاب المنزل الذي تعمل فيه، يعتمدون اللغة الفرنسية في أحاديثهم، فتجد صعوبة في التواصل معهم.
معضلة التواصل مع أرباب المنزل، تعاني منها أيضاً فبار (أثيوبيا)، «فمستر لا يتكلم العربية»، وبالتالي، يتوجب عليها أن «إحكي إنكليزي حتى أفهم عليه».
«أعلّم.. من تجربة شخصية»
يختصر العمال الأجانب الأسباب التي دفعتهم إلى الالتحاق بالصفوف لتعلم اللغة برغبتهم بتسهيل تواصلهم مع الآخرين في المجتمع، أو داخل المنازل التي يعملون فيها. لكنهم، ربما لا يتنبهون إلى أن التقاءهم بأصحاب جنسيات مختلفة، وسعيهم للتعبير عن أنفسهم، ربما يفتحان أمامهم آفاقاً تتخطى سهولة التواصل في المنزل، وتصل إلى حد التمكّن من حقوقهم، والتعرف إلى حضارات أخرى.
تشرح نسرين (لبنانية) عن أسلوب تدريسها لعلاء (سوداني)، قائلة إنها تنطلق من تجربتها الشخصية التي دفعت بها إلى التطوّع لإعطاء الدروس المجانية باللغة الإنكليزية: «كوني نصف نيجيرية، فقد عانيت كثيراً من التمييز العنصري في المجتمع اللبناني، ومن قوات الأمن والشرطة في لبنان، بسبب لوني. وجدت في المشروع فرصة لمساعدة الآخرين كي يتخلصوا من الحواجز كافة التي تشكل عائقاً أمامهم، فلا يعانون مثلي».
وبالنسبة إليها، تتعدى الصفوف مسألة تعليم لغة، إلى المساهمة في انخراط العمال مع جماعات عرقية أخرى: «لاحظت أن كل جنسية تتكتل على نفسها، وتُحكم بطريقة سلبية على المجموعات الأخرى، من دون أن تحتكّ بها. ربما يساهم كسر حاجز اللغة في توفير فرص من أجل التعرف إلى حضارات وثقافات مختلفة تساعد على الاندماج».
وبفخر، تروي نسرين عن التقدم الملحوظ لتلميذها، وإصرار عدد كبير من التلاميذ على التعلم والارتقاء، «حتى لا يشعروا أنهم دون الآخرين لمجرد كونهم عمالاً أو مهاجرين أو أقليات أو فقراء».
ويخصص المشروع لكل طالبين أو ثلاثة، مدرّس(ة) لغة.
بحزن، «أنا عم بخدم اللي مشغّلهم!»
أما وائل (لبناني) فقد خرج بانطباع خانق في المرة الأولى التي شارك بإعطاء دروس اللغة، هو: «تعتير، بمعنى البؤس. تحزنين جداً عندما تنظرين إليهم». فـ«أكثر ما يحزنني أو يستفزني هو اقتناع معظمهم بأنهم يجب أن يتعلموا اللغة حتى يتواصلوا مع أرباب عملهم في المنزل. يعني أنهم يفعلون ذلك لخدمة مستخدميهم بصورة أفضل. هم لا يعون أن تعلمهم ضروري من أجل التنبه إلى حقوقهم».
وعلى الرغم من أهمية المبادرة أو التجربة، يشكو وائل من عدم وجود برنامج واضح في كيفية التعاطي مع الطلاب: «ربما بسبب النقص في المال، لا يستطيع المنظمون شراء الكتب مثلاً. لذا، نضطر إلى الارتجال. أعتقد أنه يجب أن ينظم المشروع أكثر».
يوضح ألكس شمس أن الهدف من المبادرة هو تمكين العمال من التواصل، وليس تعليمهم لكي يصبحوا خبراء في اللغات. وعن طريقة التدريس، «فهي تقوم على إعطاء الطلاب الحرية في اختيار المواضيع التي تهمهم ويحبونها، ومن ثم يحدد الأستاذ كيفية التعليم تبعاً للمستوى اللغوي عند كل طالب».

الموقع الإلكتروني للناشطين: Mwtaskforce.wordpress.com

No comments:

Post a Comment