Wednesday, July 27, 2011

السراويل القصيرة: فلتعتد العين

التحرّر يكمن في العلاقة مع الجسد ولا يحدّده سروال قصير أو طويل (هيثم الموسوي)

إنها موضة السراويل القصيرة. يلجأ البعض إلى عبارات مثل «ابتذال» و«كبت جنسي» لتوصيف فتيات يرتدين هذه السراويل. آخرون يبرونها موضة وحرية شخصية. قد تصحّ جميع الآراء، لكن يبدو أن المشكلة لا تزال في عينٍ جرّدتها الحرب الأهلية من اعتياد موضة «الميني جوب» حينها
ربى أبو عمو
«ما رأيُكِ في موضة السروال القصير؟»، «ارتديته البارحة. ما مشكلته؟ لا تقولي إنك تعدّين تحقيقاً عنه؟ هل يشغل الرأي العام مثلاً؟».
سؤالٌ قد يبدو منطقياً في القرن الحادي والعشرين. لكن يفاجئك أن تطرح الموضوع أمام مجموعات متنوّعة عقائدياً واجتماعياً، لتكتشف أنه تحوّل إلى «حالة». ليس بالمعنى السلبي أو الإيجابي للكلمة، ولكن فقط لأنه يمثّل موضة هذا الصيف.
أضعف الإيمان أن تغري السراويل القصيرة الملوّنة التي تغزو المحال التجارية كالجراد، الفتيات، وخصوصاً ذوات الأجساد المتناسقة، لارتدائها. ولا بأس بالتعليقات التي تزيد الفتاة أو المرأة إعجاباً بنفسها، أو قد تكشف عن عينٍ غير معتادة التعامل بحاستها مع جسد المرأة؛ إذ إن الموضوع يجرّ في المقابل الكثير من التعليقات السلبية. إنه «ابتذال»، أو «لم يعد ينقص إلا أن تخرج المرأة بالملابس الداخلية». البعض لم يجد فارقاً حتى بينه وبين الملابس الداخلية.
تبعاً لـ«بروتوكول» الموضة، حَمَلَ الصيف، قبل أن يصبح حاراً جداً، الفتيات على انتزاع الأحذية ذات الرقاب الطويلة (boots) واستبدالها بالسراويل القصيرة. «سيكون الصيف حامياً جداً هذا العام». لم يجد يوسف أفضل من هذه العبارة لتوصيف «ظاهرة» الفتيات والسراويل. ولا يتردد أحياناً، كلما رأى فتاة ترتدي ذلك السروال، أو فستاناً قصيراً، أو قميصاً يكشف بعضاً من نهديها أو ظهرها، في مكالمة صديق له، وإثارة غيظه لأنه محرومٌ «تمتيعَ ناظرَيه» بهؤلاء الفتيات. هل هو العُري؟ وهل تحوّل إلى ظاهرة؟ أم أن المسألة ببساطة هي الموضة التي تفرض نفسها على الناس، لا بل تتآلف معهم موسماً بعد آخر؟
من يعتقد أن العُري (ليس بالمعنى السلبي للكلمة) ظاهرة جديدة، فهو مخطئ. السروال القصير عينه كان موضة قبل الحرب الأهلية، تقول الأستاذة الجامعية والمعالجة النفسية المتخصصة في الإرشاد الزوجي والعائلي والجنسي، مي جبران. تتذكر أن الحجاب أو الشادور كان أمراً نادراً قبل أن تأتي الحرب لتغيّر المفاهيم، بعدما تقوقع كل في دينه. تشرح أن موضة هذا الصيف قد تكون جديدة بالنسبة إلى الجيل الجديد، لا لجيل ما قبل الحرب، لافتة إلى أن «التحالفات السياسية الجديدة، بشقيها المسيحي ـــــ السني والمسيحي ـــــ الشيعي، أسهمت بإيجابية في المزج بين الأديان مجدداً». وتعطي مثالاً على ذلك على أم قصدت عيادتها بالشادور، فيما كانت ابنتها ترتدي ذلك السروال
القصير.
القصة إذاً ظاهرة قديمة ـــــ جديدة، أو متجددة، عنوانها العريض هو اتباع الموضة، علماً بأن جبران لا تفرق بين العري المبالغ فيه أو الـ(over)، والشادور، فالاثنان «تشييء» لجسد المرأة. تشييء يعود إلى «النظام الأبوي والإيديولوجيا الذكورية التي تتحكم بلباس المرأة، فضلاً عن الإعلام المعولم الذي نقل موضة الآخرين إلى لبنان». تشرح جبران أنه «ليس لدينا موضة خاصة بنا. نحن نستوردها إما من السعودية وإيران أو من أوروبا والولايات المتحدة». هكذا تغوص السياسة في جسد المرأة.
تُعرّف جبران العري المبالغ فيه من خلال الكشف عن الجسم في المكان غير المناسب، شارحة أنه «خلال وجود المرأة في مكان عملها على سبيل المثال، يجب أن تركز على إظهار ذكائها وقدراتها الشخصية. ويُخطئ من يظن أن اللباس هو إرضاء ذاتي بحث، بل هو لأرى نفسي ويراني الآخر». وكما يقول المثل: «كُل (تناول الطعام) على ذوقك والبس (ارتدِ الثياب) على ذوق الناس». وتلفت إلى أن هذا العري المبالغ فيه هو «بقصد جذب نظر الآخر، أو ما يسمى الهتاك»، مضيفة أنه «تعويض عن علاقة أو عدم إشباع جنسي معين». وتشرح أن «المرأة الحرة في علاقاتها لا تشعر بحاجة إلى إظهار جسدها، كتلك الأوروبية. ولكن المرأة اللبنانية لا تثق بجسدها».
إشكالية هي إذاً مسألة العفوية لدى الفتاة اللبنانية. كيف يبدو مثلاً اللباس ذاته عادياً لدى فتاة وفاضحاً لدى أخرى؟ وغالباً ما يقول المغتربون إنهم لا يرون في أوروبا وأميركا «عرياً» كما في لبنان. تشرح جبران أن «جسد المرأة اللبنانية يتمتع بإثارة أكبر بسبب الحسية والشبقية لديها»، مضيفة أن «الدين الاسلامي يعترف بوضوح بأهمية العلاقة الجنسية؛ إذ تربى الفتاة منذ الصغر على إغواء الجنس الآخر مع بعض القيود. بعكس المسيحية، حيث الجسد ملغى، وكأنه بذلك منح المرأة القدرة لتكون أكثر تحرراً». وتلفت جبران إلى مسألة أخرى، هي أن «المرأة الأوروبية لا تحمل طفلها، بعكس الأم العربية التي تلمس جسد طفلها باستمرار»، مضيفة: «نرى في الأوساط الشعبية كيف تقوم الأم مثلاً ببعض الأعمال المنزلية حاملة طفلها، الأمر الذي ينمّي عنده الشبقية والحسية».
موضة السراويل القصيرة تبدو مغرية، علماً بأن بعض الأمهات يخفن على بناتهن من التحرّش في مجتمع لم تعتد عينه بعد صور «الأفخاذ العارية». إنها العين إذاً. تقول جبران إنها شاركت في أحد المؤتمرات في مونتريال، وكان الطقس حاراً. معظم الفتيات كن يرتدين السراويل القصيرة. خلال اليومين الأولين، لم يحد الرجال اللبنانيون بنظرهم عن هذه الأفخاذ العارية والجميلة، ثم ما لبث أن بات الأمر عادياً. دليل آخر على ذلك يتمثل في أن الأمر يختلف في لبنان بين منطقة وأخرى. يبدو الأمر مألوفاً في المناطق ذات الطابع المسيحي، وغريباً بعض الشيء في المناطق ذات الغالبية المسلمة. النظر إذاً يروّض الغريزة.
وبعيداً عن العين، يظهر أن عدداً كبيراً من النساء غير متآلفات مع أجسادهن. صف الرقص مثلاً يظهر كمَّ التعقيدات التي تُكبّل الجسد، وتجعله في حاجة إلى البحث عن مخرج ما. كأن المرأة تكون في ذلك المكان وجهاً لوجه مع جسدها، تمتلكه وحدها من دون أن يكون للرجل دخل فيه. لكن الأمر يحتاج إلى وقت. تقول مدربة الرقص الشرقي الحديث، سهام مصطفى، إن «الفتيات حين يبدأن الرقص يكنّ غير قادرات على التعبير بانسيابية». وتشرح أن بعض النساء «يأتين إلى صفي لأنهن لا يحببن أجسادهن، وليس لهذا علاقة بمدى بدانة المرأة أو نحافتها». وتذكر مثلاً أن «إحدى النساء قررت تعلم الرقص لأنها لاحظت أن زوجها يحدق بجسد إحدى الراقصات بكل تفاصيله، وهي تريد أن تكون مثلها». يختلف الأمر مع الوقت، بحسب مصطفى، مضيفة أن النساء «يصرن أكثر قدرة على تحرير أجسادهن من ضغوط الحياة اليومية، وما هو عالق من التربية والمجتمع». وترى أنه «حين تصل المرأة إلى التعبير بحرية خلال الرقص، تصبح مرتاحة مع جسدها. وهذا الارتياح لا يعني بالضرورة ارتداء السروال القصير، علماً بأن أشهر الراقصات يفضلن الأزياء الكلاسيكية».
التحرّر إذاً يكمن في العلاقة مع الجسد وكيفية النظر إليه، ولا يحدّده سروال قصير أو طويل. ربما لا داعي للكثير من التعقيدات. إنها موضة وحرية شخصية، ولو قال البعض ساخراً «لابسة شورت لفوق الرقبة». فلتعتد الأعين.

الفتيات متّهمات!
بدأت موضة السراويل القصيرة العام الماضي، لكنها كانت أكثر خجلاً مقارنة بالعام الحالي. موضة لم تقتصر بالطبع على لبنان الذي يستورد ولا يصدّر، بل انتشرت في أوروبا حيث ارتدت الفتيات السراويل القصيرة حتى أثناء العمل. إنها حرية شخصية، وخصوصاً في أوروبا. لكن في لبنان الأمر مختلف. ربما جهل الكثيرون أن جميع الفتيات، بحسب القانون، مخالفات لعدم خضوعهم للقرار رقم 44/ل الصادر عام 1941 بناءً على مرسوم الجمهورية الفرنسية 1920. تنص المادة الأولى من القرار على منع النساء من ارتداء الشورت، ويشمل المنع جميع الأراضي الواقعة تحت الانتداب الفرنسي وفي أي مكان يصل إليه نظر الجمهور. المادة الثانية تشترط أن يستر اللباس مجمل الصدر من النحر حتى الساقين، فيما تحدد المادة الرابعة غرامة مالية لكل مخالفة.
الموضة سبقت القانون بأشواط. ويبدو أن القوى الأمنية تدرك مدى «تخلّفه» وعدم تعديله ليتلاءم مع عصرنا الحالي، ولولا ذلك، لألقت القبض على معظم الفتيات بتهمة ارتداء السروال القصير.

No comments:

Post a Comment