Thursday, October 27, 2011

تقرير “ام.تي.في”: عنف سمعي – بصري

 تحذير 1: الى كل محبّي، متتبعي ومتبنّي الآراء الواردة على شاشة الأم.تي.في والعاملين فيها من غير المستعدين لتقبل النقد او للنقاش ببعض ما تبثه الشاشة، انصحكم بكل محبة، بالتوقف عن قراءة هذا لأن ما سيأتي لن يعجبكم.

تحذير 2: الى بقية القرّاء، يتناول هذا المقال ريبورتاج عرض ضمن نشرة اخبار شاشة الأم.تي.في المسائية، يتضمن مزيج كارثي وغير مسبوق من التحريض العنصري، التمييز الطبقي والجندري، الحقد، والجهل. نظراٌ لدسامة الموضوع وثقله على القلب والمعدة، انصح اصحاب القلوب الضعيفة والمعدات المضطربة بالتوقف هنا، او بمشاهدة الريبورتاج وقراءة التعليق على مراحل وبالتقسيط.
يتناول التقرير، تراجيديا “الشارع الممتد من الدورة حتى برج حمود” الذي “لم يعد آمناً حتى لأبناءه” لأن حالات النشل والسرقة و”كل انواع الشذوذ الأخلاقي متربصة به”! واحذروا مصدر كل هذا الشذوذ؟ “الغرباء”! لمزيد من التفاصيل حول هؤلاء الاجانب الشاذين اخلاقياَ، يحيلنا مقدم النشرة الى التقرير ومعدّته الزميلة راكيل مبارك.

راكيل، المصدومة بكثرة “غير اللبنانيين” في الشارع المذكور، شكّت للوهلة الأولي ان تكون في لبنان اصلاً حين دخلت الشارع. “خيّل اليها” انها “في السودان او في دولة تجمع الأكراد او في احدى دول آسيا”. حتى انها وفريق عمل الام تي في كانوا يتنقلون “بحذر” في الشارع خوفاً من “كثرة حالات النشل والسرقة والتحرش الجنسي وكل اشكال وانواع الشذوذ التي تخطر على بالكم والتي ترتكبها مجموعات من الشباب غير اللبنانيين”. مصيبة فعلاً. وكأن لم يكن ينقص لبنان سوى مجموعات من الأجانب تجتاح احياءه لتنشل وتسرق سكانه وتتحرش بنسائه. والمصيبة الأكبر، ان هذه المجموعات من الشباب غير اللبنانيين تلجأ الى المنطقة “اما للتعرف على فتيات آسيويات او لتمضية بعض الوقت في المقاهي”. يبدو ان هؤلاء “غير اللبنانيين” لا يخجلون من انفسهم، وقحين لدرجة القدوم الى المنطقة للتسكع في مقاهيها. الا يكفيهم انهم يسكنون ويعملون فيها؟!

عزيزتي راكيل، انا قلقة جدّا على معلوماتك في مادة الجغرافيا. كيف كان أداؤك المدرسي في هذه المادة؟ اذ يبدو انك لست على علم بأن لبنان هو، في الحقيقة، “احدى دول آسيا” لذا لا حاجة لتشغيل خيالك كثيرا في هذا الأطار. هل كنت تعلمين ان آسيا تشمل 47 دولة غير لبنان؟ لذا يا عزيزتي، فقصدك غير واضح تماماً لا سيما ان فريق عملك صوّر مجموعة نساء سمراوات بشعر اسود يمشين في الشارع عرضت فيما كان يخيل اليك انك في احدى دول آسيا. اي من الدول ال47 تقصدين عزيزتي؟ هل تقصدين دول جنوب شرق آسيا على اعتبار ان عدد كبير من “الغرباء” العاملين في لبنان يأتون من هذه الدول؟ هل تظنين انك في “احدى دول آسيا”، ولنخمّن انك قصدت دول جنوب شرق آسيا، لأنك رأيت نساء بيضاوات البشرة، بشعر اسود و”وجوه غير لبنانية”؟ عنجد؟ هل انت على علم بأنك اختصرت ثقافة وحضارة ودينامية 11 بلد، اذا حسبنا دول جنوب شرق آسيا فقط، بملامح ولون بشرة وشعر وسمّيتها “احدى دول آسيا”؟ اتعلمين ان هذه الكلمات لوحدها – هذا التعميم، بدون التطرق الى نبرتك وصدمتك بهم ونظرتك الدونية واحتقارك لهم واتهامهم “بكل اشكال وانواع الشذوذ الأخلاقي”، تعميم ينمّ عن جهل في مادتي الجغرافيا وعلم الاجتماع، ان لم نقل غباء؟

من ثم، لم خيّل اليك انك في السودان مثلاً؟ الأنك رأيت عدداً هائلاً من اصحاب البشرة الداكنة الذين يتكلمون العربيّة؟ و”دولة تجمع الاكراد”؟ بدايةً ظننت انني لم اسمع جيداً. اعدت التقرير من اوله. جميل كيف انك من كل دولة ذكرتها – السودان، دولة تجمع الاكراد، واحدى دول آسيا، مرّت الصورة المناسبة. مع السودان، صورة رجل داكن البشرة. مع الاكراد، صورة لثلاثة شبان سمر يتحدثون في الشارع. ومع احدى دول آسيا، مجموعة نساء بيضاوات البشرة بشعر اسود يتمشين. هل سئلوا من اي دولة آتوا؟ طبعاً لا. فالأم.تي. في. تعرف كل شي، وهؤلاء ليسوا سوى غرباء غير لبنانيين اتوا ليعيثوا خراباً في ارض فينيقيا الكبرى، لا يستحقون حتى فرصة الكلام.

اتعلمين راكيل؟ حين اسمع كلاما مثل كلامك، اتمنى لو كنت فعلاَ في “احدى دول آسيا”، لا سيما وانه في الفيلييبن مثلاً، معدل البطالة لا يتعدى الواحد في المئة؟ وان نسبة الامية لا تتعدى ال7% وان المدارس مجانية وعدد معاهد التعليم العالي يتخطى الالفين؟ هل كنت تعلمين ذلك؟ أشكّ.

 وبعد مقدمتها الجميلة، اتى الاثبات كلّه. كيف؟ اقوال ومعاناة شعب برج حمود. مشكلة التقرير ليست اصلاً في ما قاله الأفراد بل في جمع كل هذه الأقوال التي اختيرت بعناية وتركيب اطار تجتمع فيه كل مستويات الحقد والتمييز “التي تخطر على بالكم” – العنصري، الطبقي، الجندري و حتى الطائفي (لو سمحت المساحة لطال الشرح) حولها. المشكلة ليست بذكورية كل الرجال (واكثر النساء) الذين واللواتي ظهروا (ظهرن) في التقرير، انما في موضعة التقرير لسكان برج حمود “منذ اكثر من 70 عاما” بتناقض مع وبمواجهة “الغرباء” الذين باتوا يشكلون “خطراً” على المنطقة الشرقية بأسرها. فعلاَ صحيح. اما هؤلاء –المعتّرين الفعليين في كل القصة – فأطّرهم التقرير على انهم مصدر كل الشرور و”الشذوذ” والمصائب التي لم يعد ينقصنا سواها في لبنان.

حتى انهم، ويا للهول، يمشون في مجموعات مخصصة لرعب السكان الأصليين “ما بيمشوا اثنين او ثلاثة، اقل شي بيمشوا خمسة مع بعض واقل واحد معو سكينة”. انها المصيبة بالفعل. اهل المنطقة “ع طول على اعصابنا” لكثرة “السكر والعربدة والتلطيش على النسوان والزعرنات”، التي تمارسها حصراً “الوجوه غير اللبنانية رأت في هذه المنطقة منفذاً لارتكاب امور ممنوعة”. انتهى التقرير بمناداة اهل المنطقة على الدرك و الجيش اللبناني و التحريين، وحتى محافظ جبل لبنان ووزير الداخلية وبلدية برج حمود للالتفات الى “وضعهم”، اما ال”ام تي في” فاعتبرت تقريرها “بلاغ” ونداء “للأجهزة المعنية للتحرك بأسرع وقت”.

 هل تريدين ان تقنعينا، يا عزيزتي الزميلة راكيل، بأنك لم تتعرضي يوماً للتلطيش في الأشرفية او الحمرا او الداون تاون من قبل لبنانيين منذ اكثر من عشر سنوات؟ كنت اقطن في السوديكو، قريبة جداً من السفارة الفرنسية وكلية العلوم الطبية في جامعة القديس يوسف، وكنت ازور رفيقي الذي يدرس هناك، بشكل دوري. كنت اتعرض للتحرش الجنسي الكلامي في كل مرة، في الحي الذي اقطن به وعلى مدخل الجامعة. الأجانب الوحيدين في المنطقة هم الفرنسيين ولهجة المتحرشين بي لم تكن فرنسية. لكنك في تقريرك لم تقصدي الأجانب بشكل عام – بل هؤلاء الأجانب الأفقر منك والأكثر سمرةً، هؤلاء الذين يأتون للعمل لاعالة عائلاتهم وليس للتسكع في مقاهي برج حمود وارهاب سكان المنطقة. سأطلعك على سر اذن عزيزتي، اللبنانيين ايضاً يتحرشون جنسياً بالنساء اللبنانيات وغير اللبنانيات وعلى جميع الأراضي اللبنانية. وما عليك سوى المشي في اي حي من الأحياء. انا شخصياً اكون “ع طول على اعصابي” حين اسير في اي من شوارع بيروت لا سيما حين امرّ من امام اي حاجز للدرك اللبناني وتحديداً تلك الحواجز المتمترسة امام وزارتي الداخلية والاعلام في الحمرا. لا اذكر انني مررت مرة من امام تلك الحواجز ولم اتعرض لتحرش او “زعرنة” من “الدركيي”. نعم صدقي ولا مرة واحدة وعلى مدى سنوات. نعم هؤلاء “الدركيي” انفسهم الذين تنادون عليهم ل”حماية” اهل المنطقة من هجوم “الغرباء”. سيحتاج اهل المنطقة لحماية من الحماية…

 ليست ال”أم تي في” المؤسسة الوحيدة ولا راكيل الصحافية الوحيدة التي تعزز مشاعر الحقد العنصري والطبقي لدى اللبنانيين وتدّعم التمييز العنصري والطبقي والجندري الممأسس في لبنان والمعشش في المؤسسات الرسمية والخاصة والإعلام. الا ان هذا التقرير بالذات هو محور النقاش اليوم ولعله الفرصة المناسبة للتوسيع في هذه الفكرة. نظرياً في مجال الانسانيات والعلوم الاجتماعية، شرط اساسي لوجود ال”نحن” وعامل مركزي في مركب “الهوية الوطنية” هو وجود ال”هم” او الآخر – الغير، الفئة المختلفة، المقياس الذي على اساسه تحدد فئة ال”نحن” المستثنى منها. لا وجود ل”نحن” بدون “هم” نظرياً، كما من غير ان يوجد اي من الإثنين بمعزل عن الآخر لأن الهوية اصلاُ قائمة على ثنائية بطرفين متناقضين.

الهوية اللبنانية – هذا المركب الاجتماعي المرّوج عبر الإعلام والمعشش في جميع مؤسسات البلد، تستند بدورها على ثنائية بطرفين متناقضين هي اللبناني – وغير اللبناني. غير اللبناني في سياق تقرير راكيل، هو “الغريب”، “الأجنبي” وتحديداً “السوداني” او “الحبشية” و”الفلبينية” – الفقراء من غير حاملي الهويات اللبنانية والاهم من اصحاب وصاحبات البشرة السمراء او الداكنة (وكلما كانو او كنّ اكثر سمرة ابتعدوا اكثر عن فئة “اللبناني”). غير اللبناني هو الغريب الذي يحمل السكاكين (وكأن اللبنانيين عموماً لا يملكون سكاكين)، يتحرش بالنساء، يسكر ويتعاطى المخدرات، ويعمل في الدعارة (وعلى فكرة راكيل، كيف حكمت على ان ما صوّرته على انه بيت للدعارة هُو فعلا كذلك؟ اه نسيت انكم مقياس الاخلاق والآداب العامّة في لبنان). امّا اللبناني فهو الصالح، الهادئ، المهدد والخائف على عائلته – والذي بالرغم من ذلك، يضبط اعصابه وحتى يختار ان يترك المنطقة تفادياً “لوقوع الأسوأ”.اذن اصبح لدينا الآن، فئتين متناقضتين: اللبنانيين (الصالحين والضحايا) و”غير اللبنانيين” او “الغرباء” الذين يمارسون كل انواع الشذوذ ويرتكبون جميع اشكال والوان الشرور.

عزيزتي راكيل، ان ما فعلته في تقريرك يعزز هذه الثنائية المدمرّة (وهي مدمرة بالدرجة الأولى لأنها وهمية لكن تقدم الى المجتمع على انها واقع). لم تعززي هذه الثنائية فحسب بل شجعّت على العنف ضد بشر يسكنون ويعملون في لبنان في حالة استعباد قانونياً وفي ظروف ما دون الإنسانية وذلك ليس محبةً منهم بمقاهي برج حمود ولا طمعاُ بأحياء بيروت الشرقية. لا يمكن وضع تقريرك الا في اطار العنف السمعي-البصري و التحريض العنصري على اشخاص يستقدَمهم افراد، عائلات وشركات لبنانية من الخارج ليعملوا في التنظيف والطهو الحفاظ على البيوت ولم “يفرضوا” على المجتمع اللبناني الصافي العرق والنسب من قبل قوى الشذوذ المعادية.
 لا يسعني في نهاية كل هذا السرد الا ان اتمنى عليك وعلى اسرة الأخبار في ال”ام.تي.في” ان تفيقوا من غيبوبتكم وتعوا مسؤوليتكم كإعلاميين في تشكيل ارآء وافكار الأجيال القادمة في لبنان والا حكم مجتمعنا، والى الأبد، بالرجعية، العنصرية والغباء.

No comments:

Post a Comment