Friday, January 20, 2012

العمّال الأجانب: في كلّ عرس لهم قرص




سفارتا السودان ومصر تهتمان بإجراءات الوفاة

حصة الأجانب، الفقراء، كانت حاضرة بقوة في كارثة الأشرفية. يأتي هؤلاء إلى لبنان طمعاً بالرزق، فيُعادون إلى بلادهم بالنعوش. الدولة توقف من يدخل منهم خلسة، حتى ولو كان جريحاً ناجياً من الانهيار. هكذا يتحدث القانون في لبنان، وبهذا تأمر النيابة العامة

محمد نزال
يبدو أنه بات للأجانب في لبنان، الفقراء منهم تحديداً، حصة ثابتة في ضحايا الحوادث والكوارث. قبل عام، وقفت عاملات
 جنبيات أمام شاطئ بيروت، وبكين أقاربهن الغرقى في الطائرة الإثيوبية المنكوبة. قبل أيام، وقف عاملون أجانب أمام المبنى المنهار في الأشرفية، سودانيون ومصريون، وبكوا أقاربهم النائمون تحت الركام.

أثناء انشغال الجميع بالكارثة الأخيرة، سُمع همساً أن القوى الأمنية أوقفت سودانيين، من جرحى الحادث، وذلك بسبب وجودهما على الأراضي اللبنانية بطريقة غير شرعية. جراحهما لم تكن بالغة، ولكن، رغم الحالة المأساوية التي كانا فيها على المستوى النفسي، وجد «الدرك» أنه لا بد من توقيفهما وإحالتهما على الأمن العام. الآن، هما قيد الاعتقال بانتظار تسوية وضعيهما. الأمن العام لم يكن يعلم من يكونان، فقد تسلمهما من قوى الأمن الداخلي، على غرار كثيرين من الأجانب الذين يحالون عليه بسبب دخولهم لبنان «خلسة».

أحد السودانيين الموقوفين، هو الطيب داوود إسماعيل، الذي عدّه البعض، بداية، في عداد المفقودين في حادث انهيار المبنى. وقد استمرت عمليات البحث عنه طويلاً بين الأنقاض، خصوصاً في ظل تأكيد بعض رفاقه أنه كان داخل المبنى لحظة الانهيار، فيما كان هو ينقل من المستشفى إلى الزنزانة.

بالتأكيد، كان يمكن معاملتهما بطريقة لائقة أكثر، أقلّه مراعاة للصدمة التي تعرّضا لها. ولكن بالنسبة إلى القوى الأمنية، فإن المسألة هي «تطبيق للقانون». والقوى الأمنية هي جهات تنفذ الأوامر، وبالتالي يفترض أن تُسأل النيابة العامة عن إصدار تلك الأوامر. هكذا، يرفض مسؤول أمني تحمّل المسؤولية: «من يعترض فعليه أن يبحث الأمر مع القضاء، أو فليعدّل القوانين».

في حادث انهيار مبنى الأشرفية، كان نصيب الأجانب 16 قتيلاً من أصل 27. أما الجرحى فكان عددهم 7 من أصل 12. لسودانيون كان لهم الحصة الأكبر، إذ قتل منهم 8 أشخاص وجرح 5، اثنان منهم جراحهما طفيفة (الموقوفان حالياً). سفير السودان في لبنان، إدريس سليمان، يرفض التعليق على موضوع الموقفين، قائلاً: «لدينا 8 أشخاص قتلوا في الحادث، ونحن في فاجعة، وما زلنا مشغولين بالإجراءات اللازمة لنقلهم من برادات المستشفيات. الأولوية لدينا الآن تجميع أوراق هؤلاء الضحايا، التي دفنت تحت الأنقاض، وما زلنا نتواصل مع ذويهم لتحديد ما إذا كان الدفن سيكون في لبنان أو في السودان». ويلفت سليمان إلى أن الضحايا هم «من العمال البسطاء، الذين لا يوجد في سجلاتهم أي مشاكل قانونية. الضحايا كانت لديهم أوراق شرعية، وكانوا يعملون بجدّ في لبنان لإعالة عائلاتهم في السودان». أما بالنسبة إلى الضحية هاني إبراهيم عبد الونيس، المصري الجنسية، الذي قضى في الحادث، فقد كلّفت أسرته أحد مكاتب المحاماة اللبنانية بمتابعة الإجراءات القانونية المتّبعة في حالة الوفاة، وتتابع السفارة المصرية هذا الموضوع مع الجهات اللبنانية المعنية.

يُشار إلى أن إيجار السودانيين في المبنى المذكور لم يكن قديماً، إذ كان المالك يتقاضى عن الغرفة الواحدة مبلغ 350 دولاراً أميركياً. وبحسب أحد السودانيين الناجين من الكارثة، فإن الأخير «لم يخطر الأجانب بضرورة مغادرة المبنى. ربما فعل ذلك مع اللبنانيين، أما نحن فلم يخبرنا بشيء. ربما لو أعلمنا لكنّا غادرنا، ولكن يبدو أنه كان طامعاً ببقائنا لكي يبقى لديه مردود مالي». ويسأل السوداني مستغرباً: «لماذا هذا التمييز بيننا وبين بقية السكان. حتى في هذا الأمر أيضاً!».

كان لافتاً أن جمعية «رواد فرونتيرز» بدت مهتمة بشأن الموقوفين لدى القوى الأمنية، إذ أجرت رئيسة الجمعية سميرة طراد اتصالات ببعض الجهات للتأكد من وضعهما الصحي، وما إذا كان قد وقع ظلم عليهما. وإلى أن يتضح هذا الأمر، تسأل طراد: «هل يمكننا أن نميّز بين متضرر شرعي ومتضرر غير شرعي؟ هذا سؤال نوجهه إلى المسؤولين. ولكن نحن، كجمعية تعنى بشؤون الإنسان، نؤكد أن الأولوية للمعاملة الإنسانية مهما كان وضع الشخص أو جنسه».

قد تعيد معاناة الأجانب في الحادث الأخير معاناة هؤلاء إلى الضوء، خصوصاً اللاجئين منهم أو طالبي اللجوء. فبالنسبة لى القوى الأمنية اللبنانية، القانون ينص على أن لبنان «ليس بلد لجوء»، ولكنه يمكن أن يكون ممرّاً أو مكاناً للإقامة المؤقتة، في انتظار أن تبّت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أمر الشخص المعني. ولكن، يحصل أن تعطي المفوضية لأحد طالبي اللجوء بطاقة تفيد بأن ملفه قيد الدرس، بانتظار ترحيله إلى بلد ثالث. خلال هذه الفترة، يكون طالب اللجوء عرضة للاعتقال من جانب الأمن اللبناني، إذ يلقى به في السجن، إلا إذا تدخلت المفوضية أو أعلنت عن موعد ترحيله إلى بلد ثالث. يذكر في هذا الإطار أن ثمة شكاوى على نحو واسع من طالبي اللجوء من سلوك المفوضية معهم، وفي الآونة الأخيرة تجمّع عدد منهم في وسط بيروت احتجاجاً على ما يتعرضون له. إضافة إلى ذلك، تستمر مشكلة ترحيل من لم تتبنّ المفوضية الأممية قضيته، إلى بلده الأم، إذ ليس لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية ميزانية لترحيلهم، فتحال المسألة على سفاراتهم. إلا أن بعض هذه السفارات لا تكون حاضرة دائماً لتكفّل رعاياها، ونقلهم على حسابها، فيبقون في السجون لأشهر عديدة وأحياناً لسنوات، علماً بأن إعادة «الخائف» إلى بلده الذي هرب منه، تعدّ محط جدال قانوني وإنساني بين الحقوقيين. 

No comments:

Post a Comment