Monday, April 30, 2012

العمّال الأجانب يصنعون خبراً سعيداً


من الدورة إلى الأشرفية مسافة طويلة، لكنّ المشاركين فيها لم يتعبوا. وصلوا إلى ساحة كنيسة القديس يوسف في مونو، وهم يغنون ويهتفون. «لم نشعر بالوقت» تقول ريتا ضاحكة، وهي تستعجل إنهاء الحديث معها لكي تذهب وتشارك في الرقص أمام فرقة موسيقية كانت تعزف ألحاناً أفريقية. في حلبة الرقص اختلطت الجنسيات والأعلام، لكن حركات الرقص الأفريقية كانت القاسم المشترك، تشارك فيها اللبناني مع السوداني والأوسترالي والنيبالي، إلخ. كان ذلك قبل بدء المهرجان رسمياً، وإخلاء الساحة لفرق قدّمت تباعاً لوحات راقصة من بلادها. تحلّق المشاركون، الذين قارب عددهم الـ300 على أرض موقف السيارات الخالي، وصفقوا بحرارة لراقصات من مدغشقر والنيبال وسيريلانكا والفيليبين، ومغنين من أثيوبيا.
وكأن العمّال الأجانب الذين يمضون أيامهم مرتدين زيّ العمل، خرجوا من ثيابهم فجأة. أعلام بلادهم التي ارتفعت على مساحة صغيرة من العاصمة بيروت، والثياب التقليدية التي ارتدوها، أطلقت أجسادهم ومشاعرهم. الشاب النيبالي يؤدي الرقصة مع مواطنته بإتقان. يركع أمامها ثم يقف، ثم يدور حولها، وابتسامة خجولة تزيّن وجهه. سعيد هو، ومندمج. يرقص على وقع موسيقى من بلاده، مع فتاة من بلاده، أمام أشخاص من جنسيات مختلفة لم يكفّوا عن التصفيق منذ دخل مع الفرقة حلبة الرقص وصار محطّ الأنظار. عندها، لا وصف يطلق على عينين باسمتين، مع أقدام راقصة، إلا السعادة.
لكن كم مرة يمكن عاملاً نيبالياً أو سيريلانكياً أو فيليبينياً إلخ...، أن يكون محط الأنظار في لبنان، بسبب سعادته؟
مع الإفراط في التفاؤل، ستكون الإجابة: نادراً. حتى في يوم مماثل لأمس، أعدّ ليكون تضامنياً مع العمّال الأجانب في لبنان. فعلى بعد أمتار من ساحة الكنيسة التي احتضنت الاحتفال، عاملتان فيليبينيتان كانتا تنزّهان كلباً. لا تعرفان شيئاً عما يجري قربهما. أما الطريق التي اخترقتها مسيرة العمّال، فقد ازدحمت شرفاتها بالعاملات المنزليات. من فوق، لوّحن لأعلام بلادهنّ التي ارتفعت مصحوبة بالأغاني وأصوات الطبول. بعضهن لم يتح له التلويح، باغتتهن «المدام» ومنعتهن من «المشاركة» في المسيرة، ولو عبر المشاهدة.
لا تستغرب «تيغي» هذا الأمر. فنحن نتظاهر لأن هناك «مدام» من هذا النوع في لبنان. هي مثلاً لم تخبر «المدام» التي تعمل لديها أنها ستشارك في الاحتفال «اليوم هو عطلتي، لم أخبرها إلى أين سأخرج لكني قد أخبرها مساءً». زميلتها ريتا لن تخبرها أبداً «اليوم فرصة إلي. ما ضروري تعرف». أما ماريا فقد أخبرتها «أعمل عندها منذ 15 سنة، وعندما عرفت أننا سنتظاهر اليوم ضحكت، خصوصاً بعدما قلت لها رح تشوفيني عالأخبار». تنظر إليها زميلتاها وتسألان باهتمام، وربما بخوف، «سنظهر على التلفزيون؟». تجيب «ليش لأ. مش عايشين بلبنان وأخبارنا من أخبارهم؟».
تسمع الفتيات الإثيوبيات أخبار لبنان إذاً... باللغة العربية. تماماً كما يعملن في منازل يتكلم أصحابها اللغة العربية. لكنّ منظّمي الاحتفال اختاروا التوجه إلى المشاركين باللغة الإنكليزية. ألقيت كلمات تطالب بإلغاء نظام الكفالة وإدراج العمال الأجانب في قانون العمل اللبناني بلغة لم يفهمها كثيرون من المعنيين بالأمر. تتأفّف فتاة بنغلادشية «ما فهمت شي»، فتهوّن عليها فتاة تقف قربها بأن هذا ليس مهماً «بعد قليل سيبدأ الرقص». تشرح رلى أبي مرشد، من جمعية كفى، سبب اللجوء إلى الإنكليزية «تبيّن لنا أن الأغلبية تفضّل أن نتكلم بالإنكليزية لأنهم يفهمونها». يبدو التبرير غريباً على ساشا التي كانت تحكي قبل دقائق عن ضرورة أن يعي اللبنانيون أن الفتيات اللواتي يأتين بقصد الخدمة المنزلية لسن متعلمات غالباً، هنّ حتى لا يعرفن كل لغات بلادهنّ، فكيف سيتقنّ لغة أجنبية إضافية.
ساشا تكاد تكون الوحيدة التي تحدّثت بصراحة عن نوعية المشاركين في التظاهرة «معظمهن لا يعمل في منزل واحد بل يعتمدن العمل الحرّ». تصرخ بها زميلة لها، فتضحك وتضيف «وكأني أفشي سراً، الكلّ يعرف ما أقوله». تنضم الزميلة إلينا وتبرّر: «بالتأكيد هناك لبنانيون يتعاطفون معنا، فيقدّمون لنا التسهيلات القانونية لكي نستطيع العمل بحرية».
على مسافة قريبة من حلبة الرقص، موائد متفرقة قدّمت على كلّ منها الأطباق الخاصة بكل بلد. تسأل إحدى اللبنانيات «هل لي أن آخذ معي بعض الخبز لأعطيه للفتاة التي تعمل عندي؟». لا تقول هذه السيدة لماذا لم تحضر الفتاة شخصياً معها، لتأكل وتلهو وتتعرف إلى مواطناتها. كذلك فإن راهيل، الفتاة الإثيوبية التي أعدّت الطعام، لا تسألها، بل تجيب إنه قد لا يبقى لديها منه. وتدلّها إلى سوق الطيب، حيث تباع الأطعمة الإثيوبية، مرة في الشهر، «بناءً على طلب مسبق».
يذكر أن النشاط كان من تنظيم «حركة مناهضة العنصريّة»، بالشراكة مع جمعيّات «كفى»، و«نسويّة»، و«إنسان»، و«الرعاية الرعوية للمهاجرين الأفارقة والآسيويين PCAAM»، وهو يطالب بقانون شامل لتأمين حقوق العمال الأجانب.

No comments:

Post a Comment