Tuesday, May 8, 2012

«ديغ ديغ وان دولار»

استفاقت ريتا من نومها باكراً كالعادة، أزاحت ثقل الإرهاق عنها بعد معاناة صعبة وطويلة مع النعاس، حملت جسدها الصغير إلى حمام طوله مترين وعرضه مترين وربع في الغرفة التي تسكن فيها مع زوجها، غسلت وجهها الداكن بماءٍ باردة، تمنت لو كانت الماء التي تنزل أسخن من ذلك، لكن المسح والكنس لا يأتيان بالماء الساخن، بل فتات خبز هنا، وفتات خبز في بنغلادش لأهلها هناك.




لم أكن سكراناً في الليلة الماضية، لكني ترنحت وتخبطت يميناً ويساراً بينما كنت متجهاً نحو الباب كي أفتحه لمن كان يطرقه في تلك الساعة المبكرة. كانت هي، ريتا، متوقعةً أن تفتح لها والدتي، وليس ذلك الشاب المترنح الذي يكاد أن يقع أرضاً من النعاس. سألتني: «ماما هون؟»، استدرت نحو داخل المنزل باحثاً عن أمي، قلت لها: «لا، بتكون صارت جاي»، فدخلت وخلعت معطفها الرخيص، بدأت بعملها ككل يوم، سخرة من أجل حفنة من النقود.
«الشغل مش عيب»، نعم، ليس «العيب» بالعمل نفسه، بل بالمعاملة التي تتلقاها في المنازل وعلى الطرقات. العنصري يتميز عن غيره بأنه «خواجة» بالفطرة، يعتبر نفسه أعلى قدراً وقيمة من عاملات المنازل.
العنصرية، وما أدراك ما العنصرية، خاصةً في لبنان، ريتا تمشي على الطريق بينما يتبارى الشباب فيما بينهم على من يأتي بعبارة أكثر إهانةً ويرميها عليها. هل يحق لإبن البلد ما لا يحق لغيره؟ هل يحق له بأن يهين ريتا أو غيرها من العاملات والعمال الأجانب بتلك الطريقة؟ السؤال الأهم: هل يعلم ابن البلد بأن في سريلانكا لا يحترمون من يأتي للعمل في سويسرا الشرق بسبب سوء سمعة اللبنانيين هناك جراء المعاملة التي يعاملون بها؟
تعود ريتا إلى تابوتها لتموت فيه قبل أن تبعث حية مجدداً في الصباح التالي، تقتلها المعاملة السيئة، يقتلها نظام الوكيل، هي تقتل نفسها وتبقي جسدها ينتقل من بيت إلى بيت يجمع قوتها اليومي، بعيداً عن بلدها، هنا في بلاد الأرز الخضراء، تأتي لتموت.

No comments:

Post a Comment