Friday, June 22, 2012

العاملات المنزليّات: ظلمٌ «De Facto»

اغتصاب، استغلال، تعذيب، إهانة... تكثر «الأفعال الشائنة» التي يُمكن المرء أن يملأ بها فراغات الأخبار المتعلّقة بالعاملات المنزليات في لبنان. في حال تعذُّر الاختيار من التشكيلة الموجودة، تكون حياة العاملة المهاجرة المذكورة قد انتهت بالانتحار حتماً. هذا هو الواقع الذي يجب أن يتغيّر جذرياً عبر إسقاط الأعراف المشوّهة وإنتاج التشريعات الحقوقية. تُضيء منظمة العمل الدولية على هذا الجانب المخزي من النشاط الاقتصادي في لبنان عبر ورشة عمل تتمحور حول تفعيل دور المنظمات غير الحكومية في حملات الدفاع عن حقوق العاملات المنزليات المهاجرات، في وقت يبقى فيه العمل المنزلي «منتقص القيمة ومحجوباً»، وفيما يبتعد فيه العمل المنزلي كثيراً عن معايير العمل اللائق.
ويُقدّم لبنان إحدى النسخ الأكثر وقاحة على هذا الابتعاد، حتّى لدى مقارنته مع جيرانه العرب النفطيين حيث الشهرة في التعاطي المشين مع العمال الأجانب.
ما يُمارَس في لبنان بحقّ العمال الأجانب «يجب أن يُراجع جذرياً؛ لأنّه يمسّ مباشرة الحقوق الأساسية للعمال ويتناقض مع مبادئ المساواة والحقوق الإنسانية والاجتماعية»، يُعلّق مدير مشروع بناء قدرات المنظمات العمالية (في 10 بلدان عربية) في المنظمة عبيد بريكي. والبحث هنا يرتبط أساساً بوضع عمّال المنازل الذي يُمثّلون «الشريحة الأكثر ظلماً في الحصول على الحقوق».
والمراجعة الجذرية، وفقاً لهذا الخبير الحقوقي والعمالي، تتعلّق أساساً باجتراح التشريعات الملائمة؛ لأنّه «ما لم يُقَرّ الحق بالتنظيم النقابي لا يُمكننا معالجة الأمر».
وهذا ما ينقلنا إلى حقّ التنظيم النقابي الذي لا يزال مفقوداً في لبنان؛ إذ إنّ إقرار الاتفاقيّة الرقم 87 الصادرة عن منظمة العمل الدولية في عام 1948 جاء مبتوراً، حيث أسقط مجلس الوزراء بخلفية المواربة والاحتيال على المعايير الدولية البند الثاني من الاتفاقية ـــ وهو الأكثر أهمية ـــ الذي ينصّ صراحة على الآتي: «للعمّال وأصحاب العمل من دون أي تمييز، الحقّ من دون ترخيص سابق، في تكوين منظّمات يختارونها، وكذلك الحق في الانضمام إليها بشرط التقيّد بلوائح هذه المنظّمات».
والقضية الخطيرة في عمل الأجانب في لبنان ـــ وتحديداً عمال المنازل ـــ هو التوافق الضمني القائم (De Facto) لجعل التعاطي مع هذه الفئة العاملة على أساس مبدأ الكفيل. فرغم أنّه ليس هناك نص قانوني ينصّ على ذلك، إلا أن الممارسة بدءاً من تولّي الأمن العام قضية العامل(ة) الأجنبي(ة)، وصولاً إلى ثقافة معاملته(ها) في ما يُسمّى سوق العمل.
ولحلّ هذه المسألة «لا بُدّ من صياغة اتفاقية عمل»، يؤكّد عبيد بريكي. ومن المفترض أن تحفظ هذه الاتفاقية مجموعة من الحقوق الاقتصادية الاجتماعية للعامل الأجنبي خارج إطار بدعة الكفيل التي تتحوّل بسهولة إلى عبودية، أي ملكية كاملة للعامل.
فالاحتكام إلى المبادئ الإنسانية والأخلاقية ـــ وحتّى المعايير الاقتصاديّة المعاصرة ـــ «لا يحقّ لصاحب العمل التصرّف بالوثائق الشخصية للعامل؛ لأن سلوكاً كهذا يُعدّ اعتداءً مباشراً على ذاته».
كذلك من المفترض أن تقوم العلاقة بين الطرفين على عقود تُحدّد الراتب الشهري، العطل السنوية، التأمين، وصولاً مثلاً إلى حقّ الحصول على تذكرة سفر.
وليس بالإمكان أبداً الانتقال إلى واقع صحّي من التعاطي مع العمال المنزليين إلا عبر التنسيق بين مختلف مكونات المجتمع المدني؛ لأنّ القضية هي قضية حقوقية، والجميع معني بها، وخصوصاً أن هؤلاء العمال هم جزء أساسي من القوى العاملة، ويجب أن يندمجوا تلقائياً في هذه القوة عبر ضمان حقوقهم.
لكن هناك وجهة نظر يُعبّر عنها الناشطون في هذا المجال تعود إلى الجذور، وتقوم على أن العمل الذي يُنفّذه العمال الأجانب أضحى بحدّ ذاته لا يحظى بالاحترام اللازم من جانب المجتمع المشوّه ثقافياً، وبالتالي لا يرضى بتنفيذه العمال المحليون.
ولهذا التدهور الثقافي تداعيات خطيرة أبعد من سوء المعاملة والتحقير. ففي قطاع البناء مثلاً، يؤدّي الاعتماد على العمال الأجانب بكلفة منخفضة إلى عدم إيلاء أي أهمية لتطوير أساليب الإنتاج عبر الاستثمار. طبعاً، ينسحب هذا التوصيف على قطاعات كثيرة أخرى من الصناعة، وصولاً إلى الخدمات السياحيّة.
يؤكّد عبيد بريكي أهمية هذه المقاربة التي تطرح السؤال الأول: من أين ننطلق لتحسين قيمة العمل من المنظور الشعبي في ظلّ انهيار عالمي لمعايير تقويم هذه القيمة؟ برأيه، إنّ الإجابة هي العمل على مسارات متعدّدة، أهمّها تحسين الأرضية الحقوقية للعاملين في تلك الميادين المحقّرة بغباء وجهل، مثل التنظيف والعمل المنزلي.
وفي العالم العربي مثلاً، الأولوية هي لتحويل المفاوضات والنزاعات العمالي من الطابع الفردي إلى الطابع الجماعي، «ولا يُمكننا الانتقال صوب تشريع يقوم على التفاوض الجماعي إلا عبر الضغط مع المجتمع المدني».
في الواقع، ليس هناك أدنى شكّ في أنّ الحوار المؤسساتي في البلاد العربية جمعاء لم ينوجد قطّ، فانتقل إلى الشارع بصور مختلفة. لكن يجب التأكيد أن حواراً كهذا ليس رقصة منفردة (Solo Dance)، بل رقصة ثنائية بين أصحاب العمل والعمال، يتابع عبيد بريكي.
لكن ما يثير الاستغراب والسخط لدى وضع لبنان في المعادلة، أنّ بعض العالم العربي ينطلق صوب مرحلة جديدة من التعاطي مع عمال المنازل، فيما لبنان يئنّ من تشوهاته. فعلى سبيل المثال، يوضح خبراء في منظمة العمل الدولية أنه «حتّى السعودية تتجه إلى إلغاء قانون الكفيل، فيما الأردن يتجه إلى تفعيل تطبيق فقرة قانونيّة تؤسّس لمنح العمال الأجانب حقوقهم».


No comments:

Post a Comment