Saturday, July 14, 2012

«بدك تسبحي حدّ خادمتك؟!»


في 26 أيار الماضي، أجرى ناشطو «حركة مناهضة العنصرية» اتصالات هاتفية بثلاثين مسبحاً لبنانياً، طارحين، ببراءة المواطن العادي، سؤالين على القيمين عليها: 1- هل يحق للعاملة المنزلية الأجنبية أن تدخل المنشأة؟ وهل يحق لها أن تسبح؟
عرضت نتيجة الاتصالات في فيلم بثّته الحركة أمس الأول على موقع «يوتيوب»، وبات يجوب «فايسبوك» ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى. ويتضمن الفيلم تسجيل المخابرة، بين سؤال وجواب، فاستفهام عن أسباب المنع. أما الصورة فمخصصة لاسم المسبح العنصري، وموقعه، وناحية من أجوائه الصيفية.
«زهرة خيزران» هو الشاطئ الوحيد الذي استغرب السؤالين من أساسهما، فأجاب القيّم على المسبح بسؤال: «ليه مش بني آدمة هي؟». فأرفقت الحركة اسم المسبح برقم هاتفه وموقعه في الزهراني (الجنوب)، في دعوة ترويجية صريحة، تنتصر لخياره المناهض للعنصرية والطبقية.
أما المسابح التسعة والعشرون الرافضة استقبال العاملات في برك السباحة فراوحت ردود أفعال الموظفين المعنيين فيها، بين الاستغراب الاستنكاري والرفض الناهي للنقاش: «هيدا النظام الداخلي تبعنا»، «في ناس ما بيحبوا يسبحوا مع البون تبعيتهن» («بون» تعني عاملة النظافة، بالفرنسية)، «بدك تتسبحي مع خادمتك؟!». وأجمعوا على معادلة واحدة وحيدة تلغي صفة الإنسانية من أساسها عن العمال والعاملات، بينما تدّعي إحلال النظام: «ما بتدفع، وما بتسبح».
لا تدفع، لأنها ليست زبونة، كسواها، وإنما هي خيال ملحق بالعائلة السعيدة. لا تدفع، لأنها لا تُحسب، فهي وظيفة، شيء.
شاطئ لبنان مصاب بالعنصرية والتمييز الطبقي، والصورة تؤكّد ذلك: من طرابلس، وشكّا، إلى جبيل فالكسليك ثم أنطلياس، مروراً ببيروت، وصولاً إلى الدامور... كلها مسابح تستهجن أن تبتل بمياهها عاملة أجنبية، وعلى أقل تقدير، هي تتبنى استهجان العنصريين من اللبنانيين لأن يتشاركوا المياه ذاتها مع «الخادمة». ولماذا، يا ترى، يستهجنون؟ هل «يقرفون» ممن تأتي بالنظافة إلى بيوتهم؟
في صورة الفيلم، تبدو المسابح أنيقة، عصرية، وتتمتع بأحدث صيحات الخدمة والاستجمام. وفي صوت القيمين عليها، تلوح تلك المعالم الرشيقة أيضاً، وصولاً إلى الرطن باللغة الفرنسية للدلالة على أن صاحب القول عصريّ جداً. أما المضمون فيسجّل تداخلاً في مستويات التمييز العنصري والطبقي، تماماً كما تتداخل مستويات الفساد الاجتماعي في لبنان. وفي الحالين، يتركز الهوس على الارتقاء البصري بالصورة الاجتماعية. فيكون التباهي بآخر صيحات النوادي الليلية، والمطاعم، والملابس، والهواتف، والأحذية، في بلدٍ يفتقر إلى الكهرباء، والمياه، والأمن، والزراعة، والصناعة، وجودة الغذاء، و...وهي ظاهرة سببية، وليست صدفة أو اختراعاً لبنانياً. فالحفاظ على الثقة المطلقة بذاتٍ واهنة، والإيمان بإعجاز ربع الساعة الفاصل بين البحر والجبل، يتطلبان هجاءً للاختلاف ومعاداةً لاتساع الأفق. أن تتفادى المرآة لتحافظ على الوهم، يتطلب منك أن تنفي عن محيطك كل عين نقدية، أو مختلفة.
في مقابل الجهود المبذولة للاختباء، يأتي فيلم «حركة مناهضة العنصرية» ليضع اصبعاً على جرحٍ، علاجه يمكن أن يؤسس لخطوة صحيّة باتجاه المرآة. وهي حملة تنظمها الحركة في كل صيف. وقد سبق لها أن فضحت حواراً مع إدارة مسبح تغنّى بعنصريته. وعرضت في مطلع الصيف الجاري لقاء شبيهاً مع مسبح بيروتي، سارع القيمون عليه إلى الاعتذار العلني عن تلك الممارسة، إثر الصدى الإيجابي الذي استقبل به النقد الكترونياً، بين الجمهور المفترض لهذا المسبح.
من هنا، يبدو وكأن المقاطعة هي السبيل الوحيد لتأنيب هذه المسابح، إذ لا يخضعها للعدالة إلا خطر يتهدد ميزانيتها. بغير ذلك، سيبقى الشاطئ مرتعاً للعنصرية والطبقية، في بلد تصدر دولته تعميماً يفرض استقبال العمال الأجانب على المسابح، ويبقى التعميم بلا تطبيق، وبلا مراقب.
وفيما يمكن أن يزداد إقبال البعض على تلك المسابح تحديداً لكونها تقيهم شرّ «الاختلاط» المتساوي، فإن الإدانة، التشهير، المقاطعة، هي الأسلحة المتاحة لحماية إنسانيتنا.. وقد اعتمدها كثيرون.

No comments:

Post a Comment