Thursday, September 13, 2012

عنصرية عادية


صادف منذ أيام مروري في مطار بيروت، للمغادرة، مع وجود رحلة للخطوط الجوية الأثيوبية. كن عشرات الشابات يستعددن للعودة الى بلادهن. في الباحة العامة، وقبل ان اعرف ذلك، لفتتني سيدة لبنانية تقبل فتاة مودعة، وتقول لها «ماما»، وتدعوها الى الانتباه على حالها... حتى اختلط علي الامر وظننتها حفيدتها (لم لا؟) من زواج لابنها بأفريقية مثلا! وهي سذاجة سرعان ما بددها العنف الذي بدأ بعد خطوات، عند باب الدخول الى المنطقة الحرم من المطار. حاول الشرطي على المدخل حملي وابنتي على تجاوز الصف، وكانه سُر لوجودنا، بينما تجبره تلك اللحظات على تعامل لا يرغب به مع جماعة بعينها. بعد خطوات، تمتم زميله الذي يشرف على آلة الاشعة الفاحصة للحقائب، بعبارة غامضة عن الباب الثاني في الطرف الآخر من الباحة العامة، «الاقرب الى نقطة التسجيل الخاصة بالشركة الفرنسية» والذي كان يجدر بنا اعتماده. بل ظننت أنه يريد اعادتنا اليه، فاعترضت من دون أن أفهم (أيضاً!)، على محاولته التفاني في تنظيم الدخول، بل ظننت انه يتحرش بابنتي التي وجه اليها الكلام قبل ان يكتشف وجودي! وفي الحقيقة فقد كان يرأف بها ولا يريد لها الاختلاط بالمسافرات الاثيوبيات اللواتي كن، في هذه الجهة من المطار، جمهور تلك اللحظة الوحيد. وقد انف الحمّال من مساعدة فتاة لوحت له بورقة مالية، ساخراً من انها لن «تشتريه بخمس ليرات»، وتركها تتعامل مع حقيبتها الهائلة بمساعدة زميلاتها اللواتي هرعن اليها، بينما كان يساعدني على حقائبي بكل طيبة خاطر، ولقاء أجر كان ما زال في جيبي. ساعتها كرهت الطبقة العاملة! وفي الطرف الآخر من السجادة المعدنية، حرك شرطي آخر بغلظة حقيبة للتفتيش، لا بد انها من نوعية رديئة، فانكسرت قبضتها. ضحك الشرطي لذلك كثيرا، ووضعها على أذنه ساخراً، مقلداً سماعة الهاتف، ثم رمى بها خلفه، بينما كان زميله يأمر بفرح ظاهر صبية اخرى برمي علبة كبيرة ملأتها بقوارير العطر، ما يكفي للتوزيع على كل نساء قريتها أو حيّها أو عشيرتها. وأمام حزنها، تدخلتُ موجهة له كلمة «حرام عليك»، وشارحة له انه يمكنها نقل القوارير الى حقائبها المسافرِة التي كانت ما زالت بحوزتها، لأن حملها الى المقصورة ممنوع. طار صواب الرجل، وازدادت شراسته، وراح ينادي الشابة الاثيوبية بـ«أيتها الكذابة» رداً على دموعها، ونزلت انا درجتين في تقديره، رغم صرامتي الرادعة، وأناقتي التي أحرص على العناية بها في المطارات بسبب تجارب سابقة، وسني، وجمال ابنتي، و«باسبوراتنا» الفرنسية! ثم نزلت درجتين اخريين حين التفْتَ الي فجأة في محاولة للفهم أو الإفهام، أو التواطؤ، فسألني إن كنت «أقتني» مثلها، ويقصد الشابة/الخادمة، فاعترضت على الكلمة وقلت لا، فسأل إن كانت حضرتي «محامية»! فقلت لا، فقال بتأفف محتقِر «شو، من تلك الجمعيات؟»، وأشاح ببصره عني، غير معني بالأستاذية في الجامعة ولا بالكتابة في الصحافة... ولعله تمتم تعليقاً عليها، بـ«جعدنة» أي كثرة كلام، أو انه شُبِّه لي.
كانت مصيبتي بابنتي أكبر. هذه راحت، مستفزَّة، تسألني كيف يمكن لشعب كله مهاجِر أن يكون عنصرياً الى هذا الحد تجاه مهاجرين، وعشرات الأسئلة المتلاحقة، والتعليقات التي كانت تقطع الطريق على إجاباتي، وتُحبطها، وكأنها تقول: لا تحاولي! لا تعقلني حالة مجنونة ومدانة بلا تحفظ. وهي لم تكن نيتي على أية حال. لم يكفها ما قلته لها عن وجود جمعيات متعددة في لبنان تناضل ضد هذه الحال، ومراكز حماية وإيواء، وتفاصيل مشروع الوزير السابق شربل نحاس الذي لم يبصر النور، وتصنيف لبنان عالمياً كواحد من أسوأ اماكن ممارسة العبودية الجديدة، وفضائحنا في المؤتمرات الدولية للمنظمات المعنية، حيث نتحفظ على بنود تتعلق بأسس حقوق الانسان، ووجود ما يقرب من 200 ألف عاملة منزلية في بلد لا يتعدى عدد سكانه الاربعة ملايين، نصفهم يقعون عند خط الفقر، ونظام الكفالة الجائر، والوضع الأسوأ في بلدان الخليج مثلا، حيث هناك اكثر من مليوني عاملة منزلية في حال من التخلي التام عنهن (إذ من يجرؤ على مناهضة سطوة البترودولار). واعترفتُ لها بالضرب والإيذاء الجسدي الكبير والإهانة المستمرة (هي تذكرت هنا أن صديقة لها كانت تقول في طفولتها «سرلنكيَّتي»، للإشارة الى وجود خادمة مخصصة لها في المنزل، تماماً كما كان رجال الشرطة في المطار ينادون على كل الشابات بـ«اثيوبيا» تعالي أو إذهبي)، والاستغلال غير المحدود بساعات عمل وانعدام الحقوق والاعتداءات الجنسية والهرب والانتحار... حتى قال مرة سفير اثيوبيا (السابق) في لبنان انه يدير مشرحة وليس سفارة!
رويت لها عن «العنصرية العادية» للبنانيين، (على منوال الفاشية العادية في «يوم خاص»، فيلم إيتوريسكولا الذي لا ينسى، وعلى منوال ما شرحَته حنة أرنت عن «عادية الشر»)، وكيف صادفْتها منذ سنوات قليلة في إحدى الصفوف الجامعية المتقدمة التي كنت القي فيها دروسي حول «سوسيولوجيا الشرق الاوسط الحديث»، وقد اعترض الطلاب على ما اعتبروه «محاباتي للعرب» (!)، إذ قلت إن 60 في المئة من رؤساء الاقسام الطبية في المستشفيات الجزائرية هن طبيبات نساء، فقالوا لي حرفياً: «مستحيل! هذا غير موجود حتى في لبنان»! فأمعنتُ وقلت إن أول وزيرة في المنطقة العام 1959 كانت عراقية، وسردت معطيات أخرى أطارت صواب هؤلاء الشبان والشابات، الذين لم يخطر في بالهم قبلاً أن يكون هناك «تقدم» على بلدهم في غير أميركا وأوروبا. وذكّرت ابنتي بقريب لها تحبه كثيرا، رفض مرة الالتحاق بدورة صيفية في لندن لمدرسته الدولية، لأن حظه أوقعه في مهجع مليء بالهنود والباكستانيين «ومَن على شاكلتهم»، كما قال اختصاراً: أضاع نقود التسجيل وفرصة زيارة لندن التي كان يحلم بها، ووافقته أسرته على قراره، ولم يشاؤوا تصديق أن البلَدين، ومعهما سريلانكا، أكثر تقدماً من لبنان في كافة المجالات... واعتبروه كلاماً يسارياً غير معقول!
عنصرية اللبنانيين مُقرٌ بها. والمشكل أن معظمهم يجدها مشروعة تماماً. هنا النقطة الفصل، فهي قيمة سائدة. كيف يمكن تحويل هذه العنصرية الى عيب كبير يدعو الى الخجل، ويدين صاحبه. إقرار القوانين بالطبع، والتوقيع على المواثيق كذلك هما بعض من الأسس في هذا الاتجاه. ولكنهما لا يكفيان، كما لا تكفي الجهود التربوية والاعلامية التي يجب ان تُبذل. كيف يتم تغيير القيم؟ لأنها تتغير. وما كان فروسية وشهامة يصبح بربرية ووحشية. وإزاء فظاعة العنصرية العادية للبنانيين، ربما احتاج المناضلون ضدها، من أجل رفع معنوياتهم وتثبيت خطاهم، الى قراءة الكتاب الرائع للفيلسوف الغيني/العالمي (من غينيا وبروفيسور في برنستون! لعل اللبنانيين يتعجبون) كوام أبياه، «كود الشرف، كيف تحدث الثورات الاخلاقية»، الذي يشرح سياق تحول المبارزة في بريطانيا بين النبلاء من أمر يفرضه الشرف الى حدَث محتقر، وهو ما جرى لربط أقدام الفتيات الارستقراطيات الصينيات ثم لتجارة العبيد... وغيرها من قصص: هناك لحظة ينقلب فيها الموقف.

No comments:

Post a Comment