Thursday, January 10, 2013

"مظلوم" من السودان.. في لبنان!


في غرفة لا تتّسع لحياة اثنين يتكدّس خمسة شبّان من السودان. عملهم في مكان واحد أتاح لهم الفرصة في العيش سويّةً. ميلهم للتفاؤل يدفعهم لرؤية ايجابيات هذه "الزركة". أحمد، الشاب الأقلّ تفاؤلاً، يحاول على الدوام تصويب أسباب الضحك الخارج من غرفتهم: "نضحك من تعبنا طول النهار، فعليّاً نحن تعساء".

لم يجد عادل حدثاً محدداً يبدأ به قصّته. كلمة "تعاسة" تردّدت أكثر من عشر مرات متتالية قبل أن يبدأ حديثه. اكتملت عناصر المشهد لديه: هزّة رأس خفيفة، وقوف موارب عند الباب، ضحكة رفيعة، وترداد لكلمة تعاسة. هكذا يمكنه إعلان انطلاق سرده لتفاصيل حياته في لبنان. هذا البلد الذي يحتلّ حيّزاً من أسباب تعاسته. لثلاث مرّات يكرّر كلمة "إكس 5". تخرج من فمه غير واضحة. يضحك في المرّة الرابعة، بعد تدخّل صديقه للمساعدة وشرح المعنى. فعليّاً عادل يسخر من صاحب عمله، الذي يقود سيارة "اكس 5" ويتباهى بها أمام عماله. وهكذا باتت كلمته السريّة للنميمة على اللبنانيين عامة و"رئيسه" خاصّة هي "اكس 5". لا تحلو الجلسة من دون لوازم النميمة على أصحاب العمل. "فلاحة" النهار بطوله "نقطف ثمارها في المساء"، يقول عادل.

"هؤلاء الذين لا رحمة لديهم ما زالوا يعيشون زمن الاستعباد، لهذا يخالوننا أملاكاً خاصة". هنا يأخذ صديق الغرفة إدريس دفّة الكلام. الـ400 ألف ليرة لبنانية ماذا تعني؟ أن نعمل شهراً بأكمله لسبعة أيّام في الأسبوع ومن دون توقّف!
في الغرفة الصغيرة ممنوع التدفئة. يخاف صاحب العمل من حدوث حريق. لهذا عليهم الاكتفاء بالوسائل التقليدية: أغطية وكمية ملابس إضافية. يرى عادل أن السودانيين في لبنان يتدفّئون ببعضهم، لأن الحرص كبير على تكديسهم في غرف ضيّقة منذ وصولهم الأوّل.
دخول شابين "غريبين" دفع الجميع للتوقّف الفجائي عن الكلام. كسر عادل الصمت بترحيبه بضيوفه، الواصلين الجدد من السودان. صديقا عادل وصلا لزيارته ولإيجاد عمل. لكن لا مكان في الغرفة. الأخيرة تبذل قصارى جهدها لحمل من فيها، وهكذا لا طاقة لديها للمزيد.
سريعاً يجد عادل الحلّ، استأذن إدريس ليستعير هاتفه ويتّصل بصديق في حيّ السلم. ابتسم للنتيجة، فهذه الليلة سينام الشابان في مكان آمن. وهكذا كان الانتقال سريعاً نحو حيّ السلم. استعار عادل الهاتف مجدّداً، واعداً إدريس بالتعويض المادي عليه. هو لا يحمل هاتفاً لأن أمه وأخوته أحقّ منه في العيش الهانئ.

لا أوراق = ملازمة الحيّ

لا يحمل هؤلاء الشباب أوراقاً رسميّة. دخولهم إلى لبنان كان "تهريباً". لا ينسى إدريس مشوار الـ7 ساعات التي قطعها سيراً على الأقدام من الداخل السوري وصولاً إلى الحدود اللبنانية. لهذا، ومنذ وصوله (قبل 5 سنوات) إلى مكان عمله في الضاحية، لم يغادره إلاّ مرة واحدة باتجاه دوحة عرمون.
في الضاحية في محيط العمل القريب عاش سنواته الخمس. وكما يبدو المغامرة مستمرة لسنوات إضافية. يخاف من التجوّل، تحسباً من سؤال مفاجئ عن أوراقه. يعرف سكان الحيّ تمام المعرفة ويسعد لإعجاب الجارة به. لكنه يدرك جيدا حدوده: "المرا مزوجة"، لهذا لا شيء أكثر من التردّد على المنزل لتصليح ما يتعطل فيه. عندما أخذ قراره بزيارة دوحة عرمون تفاجأ للحياة ثانية على تلك الضفة.
قرار مغادرته السودان والقدوم إلى لبنان كان سريعاً. حلّت ظروف سيئة على العائلة فترك الجامعة ليبدأ البحث عن عمل. كان السفر إلى لبنان "موضة"، لهذا "ركبت الموجة ووضّبت أغراضي"، يقول إدريس. اتجه إلى وكالة "التهريب" الكفيلة بإيصاله إلى سوريا "شرعيّاً". في المطار السوري تسلّمه شاب، وتكفّل بمبيته ليلة في شقة صغيرة اتّسعت لخمسة عشر شاباً. في اليوم التالي انطلقت رحلته نحو الحدود اللبنانية. قضى ساعات سبع قبل خروجه من سوريا. وجع وتعب المسافة المقطوعة في ذلك اليوم، ما زالت حاضرة في عقل إدريس. وصل إلى الضاحية وبدأت حياته الجديدة.
لولا كثرة السودانيين في لبنان لكانت عودة إدريس باكرة إلى بلاده. لا إمكانية لمصاحبة اللبنانيين، فهم مهما علا شأنهم أو دنا، لا يمكن التواصل معهم.

نرجيلة مع "النيل الأزرق"

التجمّع المسائي استعداداً للسهرة مهمّة يوميّة، ولا مجادلة في إمكانية إلغائها. يمنع منتصر الكلام السياسي في غرفته. يتساءل عن جدوى الحديث عمّا يجري في السودان. هم شباب، لكن لا قدرة لهم على التغيير أو التدخّل. "لنصمت أفضل"، يقول منتصر. لكن في مفارقة لافتة، يفرض الشاب على ضيوفه "حبّ عمر البشير"!
تكتمل الصورة بحضور النرجيلة، فهي الراعي الرسمي للسهرة اليومية. النرجيلة خصلة جديدة اكتسبها الشباب في حياتهم اللبنانية. لكن منتصر، ورغم سنواته الأربعة والعشرين، ما زال حتى الآن غير قادر على إخبار والده بأنه أصبح من المدخنين!
يومياً، قبل وصول الضيوف، لا بدّ للنرجيلة أن تكون حاضرة، كي يعلن عن بدء السهرة. وللقنوات التلفزيونية السودانية حظ وافر: تجول الصورة بين قناتي "الشروق" و"النيل الأزرق".
في أحيان كثيرة تتعالى الضحكات، فيتهاوى الصراخ من الطابق الأوّل. هم مضطرون للانصياع لدعوات الهدوء، فهنا هم الحلقة الأضعف. ما يُزعج منتصر هو ضياع شبابه في لبنان. يتمنّى لو اختار بلداً أفضل. يردّد: "فوق كلّ ما أعيشه من بؤس، لا يتوقّف صاحب البناية من تذكيري أنه لا أكثر من السودانيين هنا". يصمت منتصر لدقائق، كي يفرج عن العبارة التي يسمعها على الدوام: "على قفا مين يشيل". هذه لازمة كلّ يوم.

وافدٌ جديد: مظلوم

يحظى الواصلون الجُدد من السودان بعناية خاصّة بين رفاقهم. الجميع اختبر خوف الأيّام الأولى والحنين للأهل. هذه عدّة الاغتراب التي لا مهرب منها. لكن العادة شبه المُعمّمة هنا هي إطلاق تسمية "مظلوم" على كلّ وافد جديد. في غرفة إدريس يجلس "مظلوم"، الواصل منذ يومين، مستمعاً إلى ما يُتلى على مسمعه من تحذيرات. يتمدّد فرحاً ومقلّباً بين القنوات اللبنانية، رافضاً أخذ نفس نرجيلة، لأنه "عيب"!
سنواته العشرون حملته إلى لبنان بعد إقناعه أنه سيقطف مالاً عن الشجرة في هذه البلاد. إدريس يقول إن لبنان يقبض أرواح الشباب السوداني. يرفض صديقه الجالس بقربه العبارة، كونهم يعتاشون من خير هذا البلد. ما يُجمع الشباب عليه، هو وجود وهم عن حياة جميلة في لبنان. يقول إدريس: "كان يمكنني البقاء في بلادي والعمل وتأمين يوميّتي، لكن سأعجز عن الادّخار". لهذا انجرف مع الجوّ العام القائل "في لبنان تعمل وتدخّر وترسل لأهلك المال". وصل فوجد نفسه مقابل معاش ضئيل وعمل كثير، وبهدف الادخار كان لا بدّ من حرمانٍ كثير.
حرمان يجعل إدريس يردّد أن "مظلوم" تسمية ما زالت تليق به إلى اليوم.

No comments:

Post a Comment