Thursday, January 3, 2013

عزيزي الوزير: الإنتقال الى لبنان ليس حلم كل لاجئ سوري

فكرنا، ونحن بضعة اشخاص من حركة قد تكون لم تسمع بها بعد اسمها "حركة مناهضة العنصرية"، كثيراً ومطولاً بأسلوب يليق للرد على تصريحات الوزير باسيل الأخيرة بمناسبة اليوم الوطني للنبيذ، والذي – بالمناسبة – لا يمت للنبيذ بصلة.

التصريحات المقصودة - لا بد انك حزرتم تلقائياً  من اسم حركتنا ايّها نقصد – تتعلق  باللاجئين السوريين والفلسطينيين من مخيم اليرموك في سوريا. ولا بد ان الوزير – اذا كلّف نفسه عناء القراءة -  يتوقع، من اسم حركتنا كذلك، اننا لا نكتب لتهنئته على التصاريح انما لتوصيفها – مع انه سارع الى نفض الصفة عنه دون الحاجة الى الإتهام – بالعنصرية والتعبير عن رفضنا المطلق لها  كمواطنين وبشر. وفي الآتي شرحنا التفصيلي:

اولاُ – في مفهوم اللجوء –
قد يخيل للمستمعين لتصريح الوزير، ان اللاجئين واللاجئات – من حيثما اتوا واتين – يملكون ويملكن الخيار باللجوء او عدمه. لبنان عرف الحرب ايضاً، يفترض بشعبه – او اضعف الإيمان – بسياسييه ان يدركوا معنى ان تقع حرباً وان تسعى العائلات المتضررة لإيجاد اماكن اكثر امناً تأويهم واولادهم. من المهم جداً ان يدرك معاليه – ان السكن في لبنان الأخضر الجميل لم يكن حلم الطفولة لكل الذين يلجؤون اليه من سوريا. قد يصعب عليه انبهاره بلبنان استيعاب هذه النقطة المركزية لكن بإستطاعته ان يثق بنا: لو كانت منازل السوريين الذين لجؤوا آمنة كفاية لتحتضنهم وعائلاتهم ، لما كانوا قدموا الى لبنان. ليست الحرب في سوريا، لمن لا يعلم – فرصة ذهبية يستغلها السوريين لنقل نفوسهم الى لبنان. ليسأل نفسه: ما قد يدفع به مثلاُ الى الإنتقال وعائلته الى بيت آخر – بلد آخر لو لم يكن ظرفاً خطراً بالفعل؟ وحين يجد الإجابة – فليقم بإسقاطه على الذين يريد إغلاق حدوده لردعهم عن لبنانه الأخضر الصغير. لا احد يهوى الذل. اللاجئ لم يختر ان يكون لاجئ – كل ما يريد هو العودة الى بيته سالماً.

ثانياً – في مفهوم الحرب –
وهذه نقطة متعلقة بالنقطة اعلاه. من اهم المحطات التي توقفنا عندها في تصريح الوزير باسيل "غير العنصري" على حد تعبيره، هو رغبته بعودة اللاجئين واللاجئات الى "الأراضي الشاسعة الواسعة في سوريا" التي لم يطالها الإقتتال او الي هي اليوم تحت سيطرة الجيش الحر.
ان معاليه قد عاش الحرب والتهجير قسراً وكان نفسه لاجئ في فرنسا. ترى هل كان سعيداً حين اضطر الى الهرب من آلة القتل منذ عشرين سنة في نفس الظروف؟ الا يدرك ان الحرب هوجاء وعشوائية بطبيعتها – غير مبرمجة وغير متوقعة؟
كيف لمعالي الوزير ان يجزم بأن الأراضي التي لم تطالها المجازر في سوريا اليوم ستبقى آمنة؟ هل هو مستعد ان يتحمل مسؤولية كل الذين واللواتي سيتبعون نصيحته الخارقة بالعودة الى "الأراضي الشاسعة الواسعة" الآمنة؟ ماذا لو وقعت مجزرة في احدى هذه المناطق غداً؟ كيف سيحيا مع ضميره بعدها؟

ثالثاً – في واجبات الدولة
بغض النظر عن المغالطات التي لحظناها في فهم معاليه لللجوء ولحالات الشعوب في الحروب والأزمات، لا بد من الإشارة الى عدد من النقاط المتعلقة بشؤون ادارة البلاد – ليس من باب التنظير – انما للإشارة فحسب. الا يأتي الحديث عن إغلاق الحدود لردع موجة اللجوء – بعد 22 شهراً على اندلاع الحرب في سوريا – متأخراً قليلاً؟ هل فاجأت تفاعلات الأحداث في سوريا سياسيي لبنان؟ كيف يعقل ان يكون بلداً بموقع لبنان في منطقة مشتعلة منذ ان رسمت، غير مهيأ للتعاطي مع الحروب والثورات والإضطرابات السياسية والأمنية وتداعياتها؟ كيف يعقل ان تكون حكوماتنا المتعاقبة كلها قد فشلت بوضع آلية او خطة  تنظيمية للإحتمالات المتعددة التي قد تنتج عن اي من سيناريوهات المصائب – المحتملة جداً – التي قد تلمّ بالمنطقة؟ ماذا يقترح معاليه ان نفعل بآلاف اللاجئين واللاجئات من سوريا – هل ننقلهم بحاملة ضخمة الى تركيا عبر البرّ ام نحّملهم على متن باخرة كبيرة ونبحر بهم الى قبرص؟ لعل حكومتا البلدين اكثر جهوزية للتعامل مع حالات مشابهة. ان يطلق مواطن عادي طلباً كالذي اتحفنا به الوزير في يوم النبيذ – ان نقفل الحدود و - غير مستغرب ولو انه يبقى حلاً تبسيطياً ينم عن جهل في السياسة وواقع الأمور ناهيك عن كونه لاإنسانياً. امّا ان ينبع عن مسؤول في الدولة اللبنانية يمثل طرفاُ سياسياً موجود في السلطة منذ سنوات، فالأمر غير مقبول. ولا يُفهم الا بإعتباره تغطية على عجز طبقة حاكمة عن معالجة امورها ووضع سياسات تتناسب والأوضاع الإقليمية. يبدو لنا – نحن المواطنين المبتلين بحكم عاجز الاعن ردع محاولات الإصلاح الفعلية – انه بحديثه السريالي هذا يلقي عن الحكومة اللبنانية المسؤولية ويحوّل اللاجئين الى كبش محرقة في وضع كان من المفروض على السلطة تنظيمه منذ سنة على الأقل.

وفي الإطار السريالي ذاته، تحدث عن لبنان الذي ينزف شبابه المهاجر بسبب ندرة فرص العمل. وذكر كذلك اننا – اي شباب لبنان – نهاجر لأن اللاجئين يأخذون مكاننا في سوق العمل. عدة نقاط نود طرحها هنا. اولاً – فعلاً؟ احقاً يعتقد معالي الوزير ان شباب لبنان يهاجر لأن اللاجئين واللاجئات من سوريا منذ اقل من عامين هم سبب نزف ادمغة لبنان المستمر منذ سبعينيات القرن الماضي؟ ام انهم اللاجئين الفلسطينيين اللذين لا يملكون الحق البديهي بالعمل في لبنان؟ اهم السبب؟ ليس الحرب اللبنانية التي امتدت على مدى عقد ونصف من الزمن والتي كان طرف معاليه السياسي فاعلاً بجزء منها على الأقل؟ ليس عجز الحكومات المتعاقبة منذ التسعينات – والتي كان طرف معاليه السياسي جزءاً من عدد منها، عن خلق فرص عمل مؤاتية للأدمغة المهاجرة؟ اليس تغاضي الحكومات تلك نفسها عن استغلال اليد العاملة الأجنبية والسماح بإستمرار نظام استعبادي مهين لا يليق بالألفية الثالثة – الكفالة – بتنظيم "العمالة الأجنبية"؟

قصة قصيرة من الواقع – في لبنان، مواطنين منذ اكثر من عشر سنوات - بقوا عاطلين عن العمل لأكثر من سنة، يجزمون ان المنافسة على الفرص التي ارادوها لم تأت من اللاجئين واللاجئات من سوريا. الا يلاحظ احد  - معاليه بالأخص - زيادةً في عدد الأوروبيين العاملين في لبنان مثلاُ؟ الا يشعر بأنهم ايضاً ينافسون اللبنانيين في سوق العمل؟ لم نسمع منه اي تصريحاً لا في يوم النبيذ ولا في اي مناسبة اخرى بوجوب تنظيم العمالة الأوروبية في لبنان. لماذا يا ترى؟

رابعاً – الف باء الجمهورية اللبنانية
في تصريح الوزير باسيل اياه، شجب بإستياء تعليم المنهج السوري في المدارس اللبنانية معتبراً ذلك خرقاُ للسيادة اللبنانية – لأنه لم يعد من عقبة امام تحقيق السيادة اللبنانية المطلقة سوى تعميم المنهج اللبناني على كل مدارس لبنان – ومتسائلاً اي بلد يسمح بتعليم مناهج اجنبية في مدارسه؟ لدينا الجواب: هنا. في لبنان. نعم، حيث نعيش واياه، مدارس تتبع المناهج الفرنسية، البريطانية، الأميركية والألمانية. هل سمعت بالليسيه فرانسيه؟ او الأميريكان كوميونيتي سكول؟ او الإنترنشونال كوليدج؟ كل هذه المدارس تتبع مناهج الدول التي اتت منها. الا يعتبر ذلك خرقاً للسيادة ايضاً؟ الا يتعلم اولاده في احدى هذه المدارس؟ ام انه فضل تسجيلهم في الأخطل الصغير او المدرسة الأهلية ليتبعوا المنهج اللبناني؟

المصرحين قبله في يوم النبيذ قالوا ان عمله لخيرالإنسان في لبنان يشرفهم. لم نستطع ان نمنع انفسنا من التساءل: هل يعمل لخير الإنسان اللبناني فقط؟ لماذا يعتقد ان الإنسان اللبناني احق بالخير من غير اللبناني على ارض لبنان؟ هل في اللبناني صفات خاصة به لأنه لبناني تميّزه وتجعله افضل من سواه – اكثر جمالاً، ذكاءاً، نظافةُ او كرامة؟ هل فيه ما يجعله اقل استعداد للإقدام على السوء او الجريمة او احق بالسلام والأمن والحياة الكريمة؟ يبدو لنا انه يعتقد ذلك. يؤسفنا ان نبشره ان هذا هو التفكير العنصري بعينه. ان الوطنية تعني الرغبة بتحويل هذا الوطن الذي تحب الى مساحة آمنة تحترم حقوق كل من يعيش فيها – وتصون كرامة الجميع – بغض النظر عن لونهم، جنسهم، جندرهم او طبقتهم الإجتماعية – لا سيما الهارب اليها من ظلم وذلّ. يبدو لنا ان معالي الوزير -  ورغم حرصك على ان يبدو وطني، ظهّر ليس فقط عنصرية مبهرة غير قابلة للشك، بل ايضاً خلطاً بين حب الوطن وابناءه وبناته والتمييز ضد سواهم. خلطه هذا مخيف. ليس لأنه يملك سلطة فحسب بل لأنه ايضاً وبحجة هذا الحب، يمارس فعل التمييز بإسمنا جميعاً.

No comments:

Post a Comment