Thursday, February 21, 2013

السوري العامل.. واللبناني الضحيّة


 مقال رائع من آدم شمس الدين

هناك متغيّر جديد طرأ على المقاهي والمطاعم والحانات في لبنان. المتغيّر ليس بالضرورة تحسناً في نوعية الطعام، الذي يجب أن تسبق تناوله بعض الأدعية والصلوات تحسباً لكونه فاسداً، أو "مضروباً"، وهذا حال الكحول في الكثير من الأحيان.
المتغير أنه مع التدفق الكبير للهاربين من جحيم الحرب في سوريا، ازداد عدد العاملين السوريين في هذه الأماكن. و"البرستيج" اللبناني الذي لم يتضرّر يوماً من عمل السوريّ في البناء والزراعة وحراسة المباني، يجد نفسه اليوم في خطر، أمام صعوبة التأقلم مع كون النادل الذي "يخدمه" سورياً.
"مرحبا استاذ" ثقيلة بعض الشيء على أذن الزبون، مقارنة بـ"بونسوار مسيو". والمسألة ليست بالضرورة عدم معرفة السوري باللغات الأجنبية، خلافاً للبناني الذي يولد من بطن أمه وهو يتقن لغات ثلاث. ببساطة، هناك أصول للتعامل مع الزبون، وإضفاء النكهة الأجنبية، ربما تشعره برقيّ يحتاج إليه... أو يفتقده.
عبارات الترحيب هذه كافية لـ"فضح" جنسية النادل أو العامل في المطاعم والمقاهي والحانات. بعض اللبنانيين لا يحتاجون إلى سماع اللهجة أو التحيّة للتمييز. ذكاء ودهاء البعض يمكّنهم، حسب ادعائهم، من التمييز بمجرد النظر إلى الشكل. "الحربقة" اللبنانية تطورت مع تغير الظروف. لم يعد تحديد طائفة اللبناني وفقاً لملامحه يفي بالغرض، أو ربما أصبح مملاً بعض الشيء. يوفر السوريون بذلك منافسة جديدة لهذه النماذج. لكن المنافسة تدور على تمييزهم، والاستعلاء عليهم في الكثير من الأحيان، سواء من قبل الزبائن أو من أرباب العمل، تأخذ منحى آخر، عندما يبدأ اتهامهم لأنهم بدأوا بسرقة الوظائف من اللبنانيين.
كلفة تشغيل السوري أقل بكثير من تشغيل اللبناني. هكذا إذاً تضاف إلى الاستعلاء "غيرة وحسد". وسرعان ما يتحوّل الأمر إلى عنصرية لا يبذل بعض اللبنانيين جهداً لنفيها.
عادل قرر الخروج من سوريا بعد إصدار مرسوم جمهوري يسمح للسلطات باستدعاء السوريين الذين لم يكملوا دراستهم بعد إلى التجنيد. نجح في ذلك قبل أن يسجّل اسمه على لائحة التجنيد، وعمل في معمل للرخام في منطقة عمشيت، ثم تركه للبحث عن فرصة أفضل. تمكن من الحصول عليها بعد بضعة أشهر، في أحد محال التصوير في الحمراء. مهنة تتماهى مع هوايته بالتصوير التي كان يمارسها خلال دراسته الحقوق في جامعة دمشق.
العمل في المعمل، رغم قسوته ومردوده الضئيل، لم يعرّضه حينها إلى مشاكل مع أحد. فهذه المهنة غالباً ما تستقطب عمالا ليسوا لبنانيين، ومعظم رفاقه كانوا من الجنسية السورية والمصرية. المشكلة وقعت فقط حين بدأ بمزاولة مهنته الجديدة كمصور. عمل عادل مع موظفين لبنانيين، ونتيجة لكفاءته، كلّفه صاحب الـ"استديو" بإدارة المحل، والإشراف على بقية الموظفين.
صار عادل مديراً، لكن براتب يقلّ عن رواتب الموظفين الخاضعين لإدارته. فهو سوري، وذلك يكفي ليكون سببا لتخفيض راتبه. وهم لبنانيون، وذلك يكفي ليرفضوا سلطة تأتيهم من سوريّ، بغض النظر عن تعرضه للاستغلال من رب العمل.
رغم علمه المسبق بأن صاحب الـ"استديو" يستغل خدماته، نتيجة لمعرفته بظروفه، لا يعبّر عادل عن استغرابه، فهو يعلم أن الاستغلال هو نتيجة رغبة رب العمل بتقليص نفقاته، وهو ليس بالضرورة عنصريا، فهو لن يميّز بين سوري ولبناني إلا من حيث حسابات الربح والخسارة.
لا يعني هذا الواقع الموظفين اللبنانيين الذين يرأسهم عادل. لم يرق لهم تلقي الأوامر من مدير سوري. "الشوفينية اللبنانية" هنا سرعان ما تبدأ بالظهور. راتبهم أعلى من راتب مديرهم، إلا أنه لا يصح وفقاً لعقلية الكثير من اللبنانيين تلقّي الأوامر من شخص ينظر له دائماً على أنه أقل شأناً منهم. لعلها عقدة نقص يعاني منها هؤلاء، وتتطلب "فشة خلق" بما توفر. حتى إبان الوجود السوري في لبنان وحكمه للبلاد والعباد، كان العامل السوري العادي هدفاً للانتقام... طالما أن أكتافه لا تحمل نجوماً عسكرية.
لم يطل الأمر كثيراً حتى اصطدم عادل بأحد الموظفين اللبنانيين، فوضع رب العمل أمام الأمر الواقع: "إما أنا أو هو". لم يتردد رب العمل في حسم قراره لمصلحة عادل، أو الأصح لمصلحة "جيبته"، مؤكداً مرّة أخرى أن المنفعة وحدها ما تسيّر قراراته. لم يستسلم الموظف اللبناني على الفور. قرر تهديده بانتمائه السياسي المعارض للنظام.
تبدو الصعوبات التي واجهها عادل حتى الآن نزهة مقارنة بما تعرض له وسام القادم من طرطوس، هرباً من التجنيد أيضاً. الشاب الذي أمضى خمس سنوات في دراسة الفندقية، ليتمكن من تأجيل خدمته العسكرية، اضطر إلى التخرّج في نهاية الأمر، نظراً لعدم قدرته على الرسوب أكثر، فيفصل بالتالي من الجامعة.
بعد إصدار المرسوم الجمهوري، غادر سوريا متجهاً إلى بيروت. ينتمي وسام إلى عائلة مكونة من أبٍ سوري وأم لبنانية. ازدواج الجنسية هذا يدفع بدايةً إلى الاعتقاد بأن الشاب سيكون أفضل حالاً من الآخرين. لكن والد وسام مسلم، وأمّه مسيحية من عائلة تعتقد أن مجد لبنان أعطي لها تحديداً، بالمناصفة مع البطريرك. اكتشف هذا الشاب الاستغلال الاقتصادي والعنصرية اللبنانية والتمييز الطائفي دفعةً واحدة، وكل ذلك من خلال عائلة والدته.
تنعّمت عليه العائلة بوظيفة في صالون حلاقة تملكه في منطقة الأشرفية، براتب بدأ بـ200 دولار شهريا، متذرعين بأن المبلغ الضئيل هذا يعوّضه اعتماد مهنته على "البقشيش"، علماً أن أقرباءه الذين حالفهم الحظ بأن يكونوا مسيحيين من "عرق صاف" دبّرت لهم العائلة وظائف إدارية في إحدى الشركات التي تديرها. اضطرت العائلة إلى رفع المبلغ لاحقاً إلى 400 دولار، فالـ"بقشيش" ظل ضئيلا، نظراً لعدم قبول الزبائن بأن "يستلم" شعرهم شاب سوري.
يقول وسام ضاحكاً: "سوري كانت نص مصيبة، لكن سوري ومسلم ما بتزبط". بعد فترة قصيرة تمكن وسام من استمالة الزبائن بشخصيته اللطيفة، فاستحق سماع الجملة الشهيرة مراراً: "يا عمي والله ما بتعطي لا ع سوري ولا ع مسلم". لم يمض وقتٌ طويل حتى استغنت العائلة عن خدمات بعض العاملين اللبنانيين في الصالون. فبزيادة دوام عمل وسام، دون رفع راتبه، أصبح بالإمكان التخلص من الأعباء المالية الإضافية. أما بعض الموظفين اللبنانيين الذين احتفظ بهم فيتقاضون ضعف ما يتقاضاه وسام، وبساعات عمل أقل.
في الثاني من شباط الجاري، أصدرت وزارة العمل القرار رقم 19/1 الذي يتعلق بالمهن الواجب حصرها باللبنانيين فقط. تعدد الوزارة المهن تباعاً، ثم تختم بجملة تختصر الهدف من القرار: "بصورة عامة (أي من الآخِر) جميع الأعمال والمهن التي يتوافر لبنانيون لإشغالها". وتستثني بالتالي مهناً لا يرضى اللبنانيون عادة بشغلها، مثل العمل في البناء والزراعة وحراسة المباني... الخ.
لن يلقى هذا القرار الارتجالي تجاوباً من أصحاب العمل. قرار كهذا لا يمكن فهمه إلا كمحاولة لامتصاص سخط اللبنانيين الذين يعانون بالأصل من ضيق فرص العمل ومن استبدالهم بسوريين "أقل كلفة" منهم. يتماهى القرار مع الخطاب التحريضي العام، متجاهلا الاستغلال الذي يتعرض له العمال الأجانب من أصحاب العمل، ومن بينهم السوريين، وصارفا نظر اللبنانيين عن المشكلة الأساسية المتمثلة في سياسات الدولة الاقتصادية التي تمعن في حصر سوق العمل في قطاع الخدمات والسياحة. بذلك لا يجد اللبناني، الذي يخاطبه القرار، إلاّ أن يوجه اللوم إلى الوافدين الجدد، مع ما يرافق ذلك من عنصرية وحقد، مفضلاً لعب دور الضحية والجلاد لضحية أخرى في آن معاً.

No comments:

Post a Comment