Wednesday, February 6, 2013

نــازحــون أم لاجــئــون؟


وصل عدد اللاجئين السوريين في لبنان إلى أكثر من 242 ألفاً. وبين واقعهم الإنساني الضاغط والخطاب السياسي المتباين لبنانياً في شأن الحوادث السورية، يزداد وضعهم القانوني تعقيداً ولبساً. اللغط القانوني يبدأ بمسألة توصيف مجيئهم إلى لبنان: نزوح أم لجوء؟ وصولاً إلى تحديد التزامات كلّ من لبنان والمجتمع الدولي في شأن حمايتهم ورعايتهم. «السفير» طرحت مجموعة من الأسئلة القانونية المتعلقة بحمايتهم وتنظيم وجودهم على الأراضي اللبنانية، مع عدد من الحقوقيين والخبراء. 

تسمية «اللاجئ» نازحاً

يبدأ اللغط من التوصيف نفسه. أصبحت كلمة «نازح» أشبه بتعبير ملطف لكلمة «لاجئ». وقعها أخفّ سياسياً. اعتُمدت رسمياً وإعلامياً مع بدء موجات اللجوء من سوريا، لأسباب سياسية، قانونية وتقنية على حدّ سواء. 
يعتبر أستاذ القانون الدولي أنطوان صفير أن «الأمر لا يتعلق بالآراء والأهواء السياسية»، فيسأل مستغرباً: «هم لاجئون، لماذا نسمّيهم نازحين؟». فاللاجئ هو من عبر حدوداً دولية خشيةً من التعرض للاضطهاد، والنازح هو من نزح داخلياً لسبب ما. إذاً، «هو الانتقال من سيادة إلى سيادة أخرى». يجزم صفير أن الوضعية القانونيّة للفلسطينيين من سوريا أكثر التباساً، لأنهم انتقلوا من «لجوء إلى لجوء آخر».
لكن مفعول الصفة، وتبعاتها القانونية، هي الأهم. تفسر مسؤولة المناصرة في «جمعية فرونتيرز- رواد» برنا حبيب أنه «على المستوى القانوني، صفة «اللاجئ» توفر حقوقاً لطالب اللجوء، على الدولة المضيفة احترامها». بينما يشدّد صفير على أنّ مسؤولية اللاجئ تقع بشكل أساسي على عاتق المجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة. «خلافاً للنازح، اللاجئ يتحمل مسؤولية حمايته المجتمع الدولي، وليست الدولة المضيفة فحسب».
كذلك، اعتماد تسمية «نازح» لها أسباب تقنية. تشرح حبيب أنّ «صفة اللجوء لا تتوقف فوراً، بل تحتاج إلى إجراءات رسمية. لذلك، أسهل على السلطات اللبنانية تسمية اللاجئ نازحاً. لكنهم لاجئون»، تقول مبتسمةً. والأهم من التسميات المتباينة هو حصول اللاجئين فعلياً على الحماية المطلوبة. 

«السيادة» والأعراف الدولية

«حق اللجوء» و«عدم الإعادة القسرية» أصبحا جزءاً لا يتجزأ من الأعراف الدولية الملزمة، بمعزل عمّا إذا كانت الدولة موقّعة على اتفاقية العام 1951 الخاصّة بوضع اللاجئين. بالإضافة إلى ذلك، لبنان مُلزم بمبدأ عدم الرد وفق المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أنه «لكل فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد». 
ويرد المبدأ في اتفاقية مناهضة التعذيب، التي صادق عليها لبنان، التي تُلزم، في المادة الثالثة منها، الدول الموقعة، بأنه «لا يجوز لأيّ دولة طرف أن تطرد أي شخص، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرّض للتعذيب». وتؤكد حبيب أنه يمكن إعطاء تفسير أوسع لهذه المادة لضمان مبدأ «عدم الرد»، اعتباراً أن كل شخص يعيش في بلد يشهد صراعات وأعمال عنف هو عرضة للتعذيب وسوء المعاملة. 
ويميّز صفير بين الالتزامات الخاصة للدول (التي صادقت على الاتفاقية) والالتزامات العامة وهي مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والأعراف الدولية، ومن بينها عدم الإعادة القسرية. ويؤكد أنه «لا يحق للدولة المضيفة ترحيل اللاجئ إذا كان سبب اللجوء لا يزال قائماً، أي خطر الموت». 
«ما الخيط الفاصل بين التزامات الدولة المضيفة وحقها بحماية سيادتها؟»، يطرح أستاذ القانون الدولي السؤال، ليجيب: «يتوجب على الدولة استضافة اللاجئين. لكنها غير ملزمة بإبقائهم على أراضيها وبإعطائهم صفة اللجوء، إذا كانت ظروفها السياسية والاقتصادية لا تسمح بذلك». ويشرح: «لبنان ملزم بتأمين الحماية المؤقتة لطالبي اللجوء، تمهيداً لإعادتهم إلى بلدانهم طوعاً، أو إعادة توطينهم في بلد ثالث». 

لا اعتراف باللجوء

«لبنان ليس بلد لجوء»، العبارة تُلخص السياسة الرسمية المعتمدة. لم يصادق على اتفاقية اللاجئين. ويفتقد إلى إطار قانوني شامل يقدم تعريفاً واضحاً للاجئ ويحدّد حقوقه وواجباته على الأراضي اللبنانية. وبالرغم من أن «قانون الدخول إلى لبنان والإقامة فيه والخروج منه»، الصادر في العام 1962 (المعروف بـ«قانون الأجانب»)، يتضمن موادَ متعلقة باللجوء السياسي، تعتبر حبيب أن القانون يعكس «نظرة ضيقة ومحدودة عن اللجوء، عبر حصره بالسياسي. المواد لا تتضمن تعريفاً واضحاً للاجئ أو لأسباب اللجوء. وفي مجمل الأحوال، لم يُطبق هذا القانون إلا نادراً». 
وتوضح المحامية الباحثة في القانون غيدة فرنجية من خلال تجربتها مع حالات الاحتجاز التعسفي للاجئين أن هناك مزجاً بين الأجنبي المتسلل إلى البلد بشكل غير شرعي واللاجئ، ما يمكن أن يعرضه للتوقيف أو الترحيل في أي وقت. ويبرز هذا اللغط بشكل واضح مع إجراءات تسوية الأوضاع التي تشمل الأجانب واللاجئين على حد سواء. فيأخذ اللاجئ بذلك صفة «الأجنبي المقيم». 
هكذا، ألقت الدولة اللبنانية كامل المسؤولية على المفوضية، من حيث تسجيل طالبي اللجوء وتأمين الحماية والرعاية لهم، من خلال توقيع مذكرة تفاهم العام 2003 بين المفوضية والسلطات اللبنانية، ممثلة بالمديرية العامة للأمن العام. المذكرة مثيرة للجدل في الأوساط الحقوقية: «من ناحية، لا تتضمن اعترافاًً صريحاً بمبدأ عدم الإعادة القسرية وعدم تجريم طالب اللجوء لدخوله البلاد خلسةً طلباً للحماية. ومن ناحية أخرى، الفترة المحددة لبقائه على الأراضي اللبنانية (سنة) لا تكفي عملياً لإتمام إجراءات التسجيل وإعادة التوطين»، توضح حبيب. 

خطوة إلى الأمام.. وإلى الوراء

بالرغم من غياب الاعتراف القانوني بواقع اللجوء في لبنان، تعترف حبيب بالتطوّر الإيجابي الحاصل بتعامل الدولة اللبنانية مع اللاجئين السوريين. «على عكس حالات اللجوء من العراق والسودان، تتحمّل الدولة حالياً مسؤوليتها في توفير الحدّ الأدنى من الحماية القانونية، من حيث تأمين الدخول الآمن للاجئين السوريين، عدم ترحيلهم واحتجازهم تعسفياً». تضيف منوهةً: «على الأقل، لم تعد الانتهاكات منهجية كالسابق». 
اللافت هو عدم إدراج اللاجئين السوريين ضمن مذكرة التفاهم. تقول فرنجية: «تعاملت الدولة اللبنانية مع اللاجئين السوريين كأمر واقع، كحالة اضطرارية، وفرت لهم الحماية المؤقتة». وتشرح: «إجراءات الإقامة للسوريين في لبنان سهلة مقارنةً بالجنسيات الأخرى. والمذكرة لا تتعامل مع حالات لجوء جماعي، بل مع حالات فردية فحسب. فلا تنطبق على موجات اللجوء الكثيف من سوريا». 
وتتوقف فرنجية عند إشكالية راهنة: «بينما تقوم السلطات اللبنانية بتسهيل إقامة اللاجئين السوريين وتحرص على عدم احتجازهم، فإن الصعوبات القانونية تتعلق بإصدار قرارات منع دخول بحق عدد منهم، وعدم تطبيقها». تتابع: «الترحيل يتم بطريقتين: إما يُساق اللاجئ من الأمن العام في اتجاه الحدود؛ وإما يغادر بوسائله الخاصة. وفي الحالة الثانية يصبح بقاء اللاجئ على الأراضي اللبنانية مخالفاً للقانون، وبالتالي يكون عرضة للاحتجاز في أي وقت». علماً أن إصدار قرارات «منع الدخول» لا تستند بالضرورة إلى أحكام قضائية، بل غالباً إلى تنظيمات الأمن العام اللبناني. «وبالتالي، تعتبر (القرارات) خارجة عن القانون»، وفق فرنجية. 
عدم الاعتراف قانونياً بواقع اللجوء لا يعني غيابه واقعيّاً. «على الدولة اللبنانية أن تحدد نظام لجوء يستند إلى قانون واضح، يتلاءم مع المعايير والأعراف الدولية من جهة، ويتكيّف مع الوضع اللبناني من جهة أخرى»، تؤكد حبيب مشدّدة على ضرورة إعادة النظر بالمذكرة لتكون أكثر توافقاً مع المعايير الدولية.

No comments:

Post a Comment