Thursday, March 7, 2013

عنصريتنا.. في الغربة


اضطررت إلى العودة في شهر كانون الأول. بعد إمضاء ستة أشهر في لبنان، لم يكن قرار الرجوع إلى كندا سهلا. اشتقت سريعا إلى البلد، اشتقت إلى العائلة والأصحاب، إلى البحر، إلى اعتدال الشتاء في بيروت... وإلى أشياء كثيرة بعيدة عن متناولي في عزلتي الكندية وشتاؤها القارس.
بعد بضعة أيام، وجدت نفسي في سهرة أقامها صديق صيني تعرّفت عليه في الجامعة. ساهمت الجمعة مع اصدقائي في كندا بتخفيف وطأة الاشتياق إلى أصدقاء الطفولة في لبنان، بعد مغادرتي. جمعت الجلسة خليطاً من كنديين فرنسيين وكنديين إنكليز، مع لبنانيين وصينيين وتونسيين وبرتغاليين وروس وكثيرين غيرهم ممن يجسدون مزيجاًَ ونموذجاً عن اختلاط الجنسيات والأعراق. كان هناك سليم من والدٍ مغربي وأم برتغالية، ونديم إدموند الذي ورث اسمه عن جده العربي، وايزابيل من أصول لبنانية ولدت وترعرعت في كندا، وكذلك صينيين فرنكوفونيين وارجنتينيين من أصول إيطالية.
بعض الحاضرين سنحت لهم الفرصة بزيارة لبنان. الأمر الذي دفع بنا إلى الانغماس في حديث "نوستالجي" عن هذا البلد. حدثتهم عن تعلّقي واعتزازي بجماليات أرض أجدادي، بتاريخه، بأديانه العديدة، بإرادة الحياة فيه على الرغم من تردّي الوضع السياسي وحالات اليأس الاقتصادي والمعيشي. وقبل الاستفاضة في الحديث، قاطعني شاب زار لبنان العام الماضي بدعوة من أحد اصدقائه اللبنانيين في المهجر الكندي. قال: "صحيح إنه بلد جميل، والحياة فيه ممتعة، لكنه في نفس الوقت بلد يحتقر حياة الإنسان، بلد تستطيع ببضعة دولارات أن تقتني فيه عبداً".
بدأ صديقي بالتحدث عن الانزعاج الذي شعر به في ضيافة العائلة التي لم تبخل في كرمها عليه، بسبب علاقتها مع "سرلنكيتهم".
"كانت من الجنسية الأثيوبية لكن لم يمنعهم ذلك من تغيير جنسيتها ببساطة". الصور التي سرعان ما بدأت استعادتها بعد مداخلة صديقي، مرفقة بحزن الاغتراب، أعادت إليَّ ذكرياتٍ أكثر خزياً، بدءاً بجواز السفر الذي ننتزعه منهنَّ، كعلامة على حسن ضيافتنا، مرورا بالاحتقار الذي نظهره كل يوم، والنكات العنصرية، والمسابح الذي ترفض إدخال "الغرباء" إليها، وصولا إلى السجون ذات الرائحة الكريهة، التي نكدس فيها "غير القانونيين"، وصور النساء وهنَّ يقفزن من شرفات المنزل كملاذ أخير.
أقارن بيني وبينهم، هم أتوا للبحث عن حياة أفضل، لأن بلدانهم لم توفر لهم تلك الفرصة. أنا أيضاً لم آتِ إلى كندا حباً بطقسها الجميل. أحاول المقارنة ربما لتخفيف وطأة الخزي التي أحيتها داخلي مداخلة صديقي. أحاول أن أتقرب إليهم، من خلال معاناة تجمعنا، رغم فرق المقارنة. أتذكر اننا صرنا في المهجر سعياً وراء قاسم مشترك، وهو حياة أفضل.
تمكّن صديقي من نقلي من حالة الافتخار والاعتزاز إلى الشعور بالخزي والعار، بجملة واحدة سريعة. شعرت انني لم أعد استطيع النظر في عيون اصدقائي الجالسين معي. وشعرت بالخجل نتيجة المعاملة الحسنة التي أتلقّاها في هذا البلد مقارنة بسوء المعاملة التي نوليها إلى الذين ينظفون شوارعنا، ويعمرون بيوتنا، والذين يهتمون بأطفالنا، ويحضّرون وجباتنا، ويعيشون داخل أسرنا. شعرت بالخجل بعد أن كنت تحدثت عن حسن ضيافتنا وحداثتنا وصدق إيماننا. ورحت أسأل نفسي عن الحداثة المتبقية عندنا حين نصنف الناس حسب لونهم وثقافتهم، وعما تبقّى من روحانيتنا، كما قال يسوع: "كنت غريباً واحتضنتموني"، او كما قال محمد: "الثروة الحقيقية تقاس بالخير الذي قام به".
لم يتبق لنا الكثير: إنسانية ينبغي علينا استعادتها.

No comments:

Post a Comment