Wednesday, March 13, 2013

عِرق لبناني نضر


كثيرة هي الليالي التي تمر ثقيلة في تونس، يصاحبها ملل المدينة التي، على نقيض بيروت، تخلد الى النوم باكراً، فلا تجد ما يؤنس الليل الطويل سوى جلسات "الفايسبوك" والمدونات والمواقع الأخبارية، تنهل منها الأخبار في محاولة لتعويض الشعور بالاغتراب. تحاول ان تكون ذكياً فتمارس انتقائية قصوى، كالفلترة والتقطير. تختار أنقى المقالات، تلك التي تبتعد عن تمجيد الزعيم او الحزب أو الطائفة، وكأنك تنأى بنفسك عن فائض العنصرية والطائفية اللتين تعصفان بالبلد من نهره الشمالي حتى قاعدة اليونيفيل في رأس الناقورة.
على ذكر العنصرية، طالعتني على الفايسبوك مجموعة صور مأخوذة من نطاق بلديتي بطشيه - المرداشة ووادي شحرور، تظهر لافتات علقتها البلدية تحرم على "الأجانب" القاطنين في المنطقة التجول بعد الثامنة والنصف مساءً، الأمر الذي يعتبره رئيس بلدية بطشيه - المرداشة حقاً من حقوقه وخيار قانوني يقع ضمن سلطة البلدية. حسناً هو الهلع اللبناني من "الغريب" على ما يبدو.
لا يتوقف الأمر هنا، ينضم  برنامج تلفزيوني يدعي الحفاظ على الحريات الى مسوقي الفكرة، بل ويتمنى على البلديات المجاورة اتخاذ إجراءات مماثلة، صوناً للأمن المحلي من اي اعتداء من "الأجانب".
حقيقة، امضيت ساعات وانا افتش في قانون البلديات عما قد يكون قد استند اليه رئيس البلدية في فتواه فلم اهتد الى شيء، القانون عادة ما يجيز للدولة (او السلطة المحلية) ان تفرض حظراً للتجول في حالات معينة، وفقط عند استنفاذ كافة الطرق والأساليب الأخرى، فتضطر عندها الى خرق حرية الأنسان وحقه بالتنقل، على ان تعترف الدولة بهذا الخرق وتبرر للمواطن اضطرارها الى اللجوء لهذا الإجراء، عموماً من الواضح ان الرجل لا يستند الى القانون، بل الى شعور لبناني زائف بالعظمة، يتجلى عنصرية، تارة ضد النازحين من سوريا، وطوراً ضد العمال الأجانب القادمين من افريقيا، او يُرسم كدمات على اجساد العاملات المنزليات القادمات من اقصى اصقاع آسيا.
هنا سؤال آخر، هل يجروء رئيس البلدية على اعتقال فرنسي أو أميركي أو خليجي يتنزه ليلاً في ربوع وادي شحرور؟ ام أن "الأجانب" هنا للنازحين السوريين فحسب؟ سؤال لا يطول إنتظار إجابته، فالرجل يؤكد ان الأجانب هم السوريون الخطرون والطارئون على النسيج الإجتماعي الشحروري والبطشاوي. إذاً هم الأجانب الخطرين على نقاوة العرق الفينيقي اللبناني، يا للهول.
حسناً، قد يبدو ان هذا العرق اللبناني السلمي الى اقصى حد بريء من العنف، غريبة عنه الأفعال الجرمية، لم يغرق في مستنقع حرب اهلية شرسة، ولم يحمل البندقية في اي مناسبة، لا يتاجر بالدم والدواء والبشر، لا يخطف الأطفال ليطلب فدية، لا يطلق الرصاص ابتهاجاً وبغير مناسبة، لا يغتصب، لا يضرب.. لا شيء.
ربما كان يجب ان أثور على الإعتداء على عرقي اللبناني النضر يوم عرّاني الأمن البريطاني في مطار هيثرو في لندن. وتماشياً مع سلميتنا نحن اللبنانيين، سنكتب رسائل إعتذار الى ألماس افريقيا لأننا سلبناه، سيقبلون الإعتذار كما سكان بيونيس آيريس على تفجير قمنا به لهدف نبيل، كذلك الأمر، نحن لن نعتبر أجانب في نيويورك، فزياد الجراح الذي قاد طائرته الى احد البرجين في 11 أيلول ربما لم يكن لبنانياً كفاية. وسيسامحنا الأنتربول لأن 3 من اصل أكبر 10 "كارتيلات" مخدرات في العالم يديرها لبنانيون. نحن شعب لا عنفي. لسنا أجانب في فرنسا، لا يميز ضدنا في مطار "سيخبول" في هولندا، وتكريماً لسلميتنا المطلقة منّ علينا العالم أجمع بوجوب الإستحصال على فيزا لدخول أراضيه، اللهم ما عدا "الأجنبي" السوري والأردني والتركي.
ما قامت به بلديتي بطشيه - المرداشة ووادي شحرور يعد من أبشع الإنتهاكات لأبسط حقوق الإنسان، هو من أبشع أنواع التنميط والتفرقة العنصرية. يوازي من حيث المبدأ أفران الهولوكوست النازية. فليدوّن عار جديد على لوائح عارنا. فليُكتب اننا بطشنا بالأنسانية في بطشيه، واننا حولنا وادي الشحرور الى وادي البوم والغراب.
 

No comments:

Post a Comment