Thursday, May 9, 2013

الأطفال يعانون من العنصرية .. وصولا إلى الاغتصاب

Assafir- by the amazing Saada Allaw

لم تكن المدرسة الجميلة، بملعبها المزدحم بأطفال يلعبون، والتي رسمها الطفل النازح رامي العلي، تشبه في شيء ما يعيشه.
قبل شهر من اليوم، توقف رامي عن الذهاب إلى المدرسة التي تسجّل فيها في إحدى المناطق اللبنانية. كان ابن السنوات العشر يبكي كل صباح، وامتنع عن تناول فطوره، حتى بدت علامات المرض بدت عليه، فاضطرت أمّه للموافقة على قراره بترك مقعد الدراسة.
لم يكن رامي كسولاً. هو ببساطة، وكما باح للمعالجة النفسية في إحدى مجموعات الدعم النفسي والاجتماعي التي خضع لها مع آخرين، لم يعد قادراً على تحمل «التمييز السلبي والعنصرية» اللذين كان يمارسهما التلامذة الآخرون عليه: لم يقبل أي من التلامذة في الصف الجلوس بالقرب منه، بعضهم قال له «أنت فيك قمل»، فيما هرب آخر منه في الملعب لأنه «جربان».
أما «اللطفاء» من بينهم، فكانوا يمازحونه بإسماعه كل النكات الشائعة عن «غباء» الحماصنة. وزاد «الطين بلة» ضعف رامي باللغة الأجنبية وعدم اعتياده على دراسة المواد العلمية بها. كره المدرسة والدرس والمدرسين ورفاق الصف، و«كره نفسه»، كما استنتجت المعالجة النفسية، و«صار بحاجة لعلاج نفسي يردّ له بعض ثقته بنفسه».
وتعدّ معاناة رامي من بين العوائق الجدية التي ترصدها المنظمات الدولية والمحلية المهتمة بدمج التلامذة النازحين في المدارس الرسمية اللبنانية، بالرغم من أن وزارة التربية اللبنانية لا تعترف علانية بما يحصل.

650 ألف طفل نازح

ولدى تقييمها للتجربة، لا تشير الوزارة لا من بعيد ولا من قريب إلى «عنصرية» صغار اللبنانيين، وحتى بعض المدرسين. توثق للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتنقل المستمر للعائلات النازحة، ولاختلاف المناهج وضعف اللغة الأجنبية لدى النازحين. ولكنها، على عادة المؤسسات الرسمية، لا تشير لا من بعيد ولا من قريب إلى العنصرية والتمييز السلبي اللذين يعتبران من الأسباب الجوهرية لنسب التسرب المدرسي العالية التي تنتشر بين صغار النازحين.
وعلمت «السفير» أن وزير التربية نفسه اضطر لإعادة التذكير بالمرسوم الذي يمنع العنف والتمييز في المدارس، على خلفية ما تعرض له صغار السوريين. ولم يكن الأطفال اللبنانيون وحدهم من يتعرض لأندادهم السوريين، بل كان بعض الأساتذة يشاركون فيه أيضا
وتقدر بعض المنظمات الدولية نسبة التسرب بين التلامذة النازحين بنحو أربعين إلى خمسين في المئة من بين ثلاثين ألف تلميذ سوري استوعبتهم المدارس الرسمية اللبنانية.
تقول الأرقام الرسمية في المفوضية العليا لشؤون النازحين إن نسبة الأطفال النازحين من عمر يوم إلى عمر 17 سنة، تبلغ نحو ستين في المئة من مجمل الموجودين في لبنان. وإذا كان الرقم المتداول حالياً يدور في فلك المليون ومئتي ألف نازح (ما بين ومسجل وغير مسجل)، يمكن القول إن في البلاد ستمئة وخمسين ألف طفل نازح سوري على الأقل. وتبلغ نسبة الذين يتراوح أعمارهم بين الأربع سنوات و17 سنة، نحو 45 في المئة من بينهم. أي أن هناك نحو ثلاثمئة ألف طفل في عمر الذهاب إلى المدرسة. ومع استيعاب المدارس الرسمية لنحو ثلاثين ألف تلميذ (تسرب أربعون في المئة من بينهم على الأقل)، يمكن القول إن نسبة الانخراط في المدرسة لم تتعد العشرة في المئة.

«جيل ضائع»

ولكن المشاكل التي يصادفها الأطفال في المدارس ليست إلا جزءاً صغيراً من العالم الصعب المحيط بهم من كل جانب.
تقدر بعض المنظمات الدولية أعداد الأطفال الذين نزحوا من دون ذويهم في لبنان بنحو ألف طفل سوري. هرب هؤلاء إما مع أقارب لهم، أو أنهم قطعوا الحدود منفردين إلى المجهول، وهو ما يزيد من هشاشة أوضاعهم ويجعلهم عرضة للاستغلال الجنسي والاقتصادي والاجتماعي وللعنف على أنواعه، فضلاً عن مخاطر الانحراف والعوز والتشرد.
والعيش بعيداً عن الأهل ليس السبب الوحيد لمعاناة الأطفال النازحين. فقد أطلقت «اليونيسف» نفسها توصيف «الجيل الضائع» على هؤلاء، حيث «تتزايد مخاطر ضياعهم في كل يوم بسبب تردي ظروفهم»، ومع «تعرضهم للقتل والتشويه، والتيتم من جراء الصراع».
وهناك «عدد لا يحصى من الأطفال الذين يعانون من صدمات نفسية نتيجة رؤية أفراد في عائلاتھم يتعرضون للقتل أو نتيجة الانفصال عن والديھم. كما أصبحت الفتيات والنساء أكثر عرضة للمزيد من العنف».
ويلخص فريق عمل «اليونيسف» لـ«السفير» المشكلات التي يتعرض لها الأطفال النازحون بـ«تفشي الجرب والقمل والحصبة والحبة الحلبية (ليشمانيا)» بدرجة وصلت إلى حدود إعلان الوباء، ما استدعى وضع خطة لاستهداف نحو مليون نازح بالعلاج.
واضطرت المنظمة الدولية إلى الاستعانة بالمخزن الرئيسي لها في كوبنهاغن لتلبية الحاجة، ومع ذلك، فهي تحتاج إلى ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر على الأقل لإتمام الخطّة.
كما رصد الفريق ظواهر حادة لعمالة الأطفال، وللزواج المبكر للفتيات، بالإضافة إلى العنف داخل الأسرة والمجتمع المحيط، والمشاكل النفسية الحادة والاستغلال والاعتداء الجنسيين (بما فيه التشغيل في الدعارة)، والعنصرية أو التمييز السلبي، والتسول، بالإضافة إلى الحديث عن بعض حالات الاغتصاب.
وتم توثيق المشاكل من خلال برامج الوقاية والتدخل النفسي والعلاجي التي نفذتها «اليونيسف» مع شركائها داخل التجمعات النازحة.

نعمت وأسرتها

كانت الساعة قد قاربت الثانية عشرة ظهراً، ولم يكن أحمد وعبدوه ونعمت (7 و8 وعشر سنوات على التوالي) قد عادوا إلى غرفتهم المسقوفة بـ«التوتيا» في مشاريع القاع بعد. اليوم، تعهد الصغار بتأمين ثمن خمس ربطات خبز للعائلة المؤلفة من 15 فرداً. عرض عليهم صاحب المزرعة التي يسكنون فيها تنظيف أحد الحقول من خراطيم المياه التالفة. ويبلغ طول الخرطوم أحياناً أكثر من مئة متر، وعلى الصغار التعاون لسحبه إلى كومة النفايات القريبة تمهيداً لنقله إلى المكب.
تقول نعمت إنها تعطي الثلاثة آلاف ليرة، التي تتقاضاها عن نحو أربع أو خمس ساعات عمل، لوالدتها «بدها تعيشنا شو بتعمل». كانت نعمت متفوقة في دراستها في النزارية في ريف القصير. هنا، في لبنان، لم تحب المدرسة «مش عم إفهم شي» تقول في إشارة إلى تدريس المواد العلمية باللغة الأجنبية. لدى الأم سبب آخر يبدو أنه جوهري «ما عندهم ملابس، ولا أحذية، كيف أرسلهم؟».
بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن عائلة نعمت تعتمد على إنتاج الصغار الذين أضافوا مشهداً جديداً على الحقول اللبنانية، إذ بات تشغيل الأطفال والنساء في الزراعة ظاهرة لافتة مع تزايد أعداد النازحين.
يفضل أرباب العمل هؤلاء لأنهم يدفعون لهم أقل بكثير من الرجل النازح الذي لا تقل يوميته في الزراعة عن 15 ألف ليرة.

ماسح الأحذية

يقف محمد أمام أحـد مستشفيـات عكــار ويبــدأ بالبكــاء. لا يملك ابن السنوات العشر الكـثير من الخـيارات. ترك والدته الأرملـة مكسـورة القـدم في إحـدى قـرى جـرد القيطــع، وجـاء يحـاول الحصـول على موافقــة لإجـراء عمليـة سريعة لجرحها المفتوح منذ ثلاثة أيام.
«اليوم الجمعة وبكرا سبت وأحد ما في حدا، والإثنين عطلة رسمية»، قالوا له. أخبره الطبيب أن بإمكان العائلة إجراء العملية سريعاً «على حسابها الخاص» بكلفة تصل إلى اثني عشر مليون ليرة لبنانية. العائلة، عائلة سعدية، تقتصر على هذا الطفل الصغير الذي جلس عند قارعة الطريق يبكي. كيف له أن يعود ويخبر أمه الموجوعة أن عليها أن تتوجع لمدّة عشرة أيام إضافية على الأقل في انتظار أن تحن عليها المنظمات الدولية بتغطية عمليتها الجراحية.
بعد نحو عشرة أيام، غطت المفوضية العليا للاجئين النسبة الأكبر من كلفة جراحة سعدية، وتكفلت إحدى الجمعيات المحلية بالباقي، فيما بقي على الصغير تأمين كلفة الدواء البالغة 135 دولاراً.
حمل محمد عدة مسح الأحذية وقصد حلبا «هناك في شغل، هون ما حدا معه يدفع»، يقول الصغير الذي أنجز دراسة سوق العمل على ما يبدو. ومع صباح كل يوم، يقصد مركز القضاء ولا يعود إلا تحت جنح الظلام إلى أم ما زالت مقعدة. يأتي محمد ببعض الاحتياجات ويحضر طعامه وطعام الأرملة «الله يخليه.. لولاه كنت متت»، تقول وهي تنظر بعين الإعجاب إلى رجلها الصغير.

اليتامى الثلاثة

في غرفة في إحدى شقق وادي خالد، يسكن ثلاثة أطفال يتامى مع العمة فاطمة. نزح هؤلاء من أبو حوري في ريف القصير. قتلت والدة الأطفال مع شقيقهم ابن الخامسة، فيما نجوا هم بأعجوبة.
تقول سمية، ابنة السنوات الثلاث، إن أمها «ذهبت إلى الجنة وأخذت أخي حذيفة معها».
بقي الأب في الداخل للقتال، ومع سقوط ريف القصير بيد الجيش النظامي باتت العمّة لا تعرف شيئاً عن مصير شقيقها، وحين يسألها الصغار عنه، تحتار بماذا تجيبهم.
تعتاش العمة واليتامى الثلاثة من مساعدات أبناء الوادي وبعض الحبوب التي يحصل عليها بعض النازحين. لم يصل موعدها للتسجيل في المفوضية بعد. شقيق سمية الأصغر مصاب بالربو ولا تملك العمة قرشاً واحداً لتطبيبه أو لشراء البخاخات اللازمة. تحمله معظم الوقت بين يديها لتبقي صدره جالساً خوفاً من اختناقه.
ليس في غرفة فاطمة والأطفال سوى فرشتين إسفنجيتين، بلا سجادة أو حتى حصيرة.

مهنتان في اليوم

كانت الساعة قد قاربت الثالثة من بعد الظهر حين توقفت آلية «بيك آب» أمام تجمع للخيام الزراعية في صور. قفز من السيارة نحو عشرة أطفال لا يتجاوز عمر كبيرهم الثلاثة عشر عاماً. يعمل الأطفال، وأصغرهم في السابعة، في قطاف الخضار وقلع البطاطا. يغادرون «المخيم» عند السابعة صباحاً.
مع مشاكل تصريف الإنتاج عبر الحدود البرية مع سوريا، يمتنع العديد من المزارعين عن دفع بدل مادي للعمال الزراعيين، والأطفال من بينهم. «خمسة كيلوغرامات من البطاطا مقابل يوم العمل»، يقول «شاويش» التجمع لأولياء أمور الأطفال. بعد العودة من العمل محملين بالبطاطا أو الكوسا أو البندورة، وحتى بعض ضمم البصل الأخضر، والبقدونس، يتعيّن على الأطفال مقايضة ما جنوه بالمال.
يحمل كل منهم كيسه على ظهره، ويقصدون الأحياء السكنية القريبة في المدينة. بعضهم «يفلش» بضاعته بالقرب منه، وبعضهم يجول منادياً عليها. «خمسة كليو بطاطا بسبعة آلاف»، يرفع غالب صوته مسوقاً لبضاعته. غالباً ما ينجح الصغار في بيع منتجاتهم ليعودوا إلى أسرهم بكامل المبالغ التي يجنونها. هنا، لا مكان لرغبات الطفولة بالسكاكر واللعب في الشوارع مع أقرانهم.
يتصرف الأطفال السوريون كرجال مسؤولين عن إطعام عائلاتهم وخصوصاً في ظل غياب الأب، أو عدم عثوره على عمل، حتى كمياوم.

الزوجة الطفلة

لم تعرف الممرضة، العاملة في المستوصف المتنقّل، حين قصدت أحد تجمعات النازحين في البقاع، سر غضب الرجل الستيني القابع في زاوية الغرفة حين طلبت من الطفلة، التي كانت تنظف الأواني، التقدم للحصول على لقاح شلل الأطفال. تبلغ سوسن الثالثة عشرة من عمرها، وعليه تشملها حملة التلقيح التي تستهدف الأطفال.
تتقدم المرأة الخمسينية من الممرضة وتهمس في أذنها «هذه زوجته»، في إشارة إلى سوسن.
يسرّ موظف البلدية لفريق المستوصف بحقيقة ما حصل. قبل شهر ونصف، قصد الرجل الستيني، (يبلغ عمره تحديداً 63 عاماً) بلدية المنطقة لتسجيل عائلته، ومن بينها زوجته الجديدة سوسن، ورقمها الرابعة من بين زوجاته. قال له الموظف «معقول يا رجل، وهي وافقت؟». لم يعجب السؤال الزوج فأجاب الموظف «وأنت شو خصك؟ كلفتني ثلاثة آلاف دولار». حالة الزواج هذه موثقة في البلدية مع إخراج قيد «العروس» الصغيرة.

اعتداء جنسي

العمل، والجوع، واليتم وحتى الزواج المبكر سهل عند أم سامر أمام الكارثة التي مني بها صغيرها. فقد قام رب عمله بالاعتداء على سامر جنسيا في إحدى المناطق اللبنانية.
ابن السنوات العشر، الذي تغيرت نفسيته بعد فترة وجيزة من بدئه العمل، أفصح عما تعرض له في إحدى جلسات الدعم النفسي والاجتماعي التي حضرها. اصطحبت الأمّ ابنها إلى الجلسات بعدما شاركت في إحداها، وسمعت عن العوارض التي تظهر على الأطفال الذين يتعرضون لحوادث مشابهة.
بعدما أعلمتها المعالجة النفسية بمشكلة طفلها، قصدت العائلة رب العمل فهددهم بالقتل. اليوم، تحضّر إحدى منظمات المجتمع المدني ملفاً لمقاضاة الجاني، كما تنتظر موافقة الأهل على اتخاذ صفة الادعاء الشخصي ضده.

No comments:

Post a Comment