Wednesday, May 8, 2013

"الكفيل" نظام استعباد

Almodon by Rola Farhat 

تركت أولادها قسرًا وجاءت الى لبنان بحثًا عن العمل. اسمها مريم، جاءت من بنغلادش لتأمين أقساط أولادها المدرسية. دفعت 300$ لمكتب إستقدام العمال الأجانب، وجاءت على اسم امرأة عملت لديها، وكانت كفيلتها في لبنان. توفيت الكفيلة الأولى، كفلها شخص آخر  لقاء 600$ سنويًا. الآن باتت بحاجة  إلى جمع أموال كفالتها، وأقساط أولادها المدرسية، إضافة إلى مصاريفها في لبنان. علمًا أنها تتقاضى على الساعة الواحدة في تنظيف المنزل 6 آلاف ليرة، وتتعرض لمحظورات عديدة من الخروج من المنزل وصولاً الى منعها من محادثة عائلتها. 
سلام عراقي الجنسية. هرب الى لبنان منذ ثلاثة عشر عامًا. يعمل حاليًا في شركة للأدوات الطبية. يقول لـ "المدن" لقد حصلت على الإقامة وأصبحت أوراقي نظامية بعد أن كفلني صاحب الشركة. يشرح أنه يدفع اضافة الى كلفة الكفالة 120 ألف ليرة شهريًا للضمان الإجتماعي، أي ما يقارب 1000 دولار أميركي سنويًا من دون الإفادة من التغطية الصحية، وقد سبق ودخل المستشفى ودفع من جيبه الخاص. يسأل سلام: "أين تذهب أموالي التي أدفعها للضمان الإجتماعي؟ وماذا لو توفي كفيلي؟".
مريم وسلام عينة صغيرة من العمال الأجانب (باستثناء العمالة السورية) الذين لجأوا الى لبنان هربًا من جوعٍ وموت محتمين، بعد أن ضاق بهم وطنهم، لتصبح حياتهم مرهونة لشخص آخر، تماماً كما نظام العبودية، إذ يدفعون للبناني في مقابل أن يعطيهم صفة عامل، ليصبح هؤلاء عبيد لدى الكفيل، القادر على منع الطعام والشمس وحتى الهواء عنهم. حتى اليوم، فشل المشرّع اللبناني في  صياغة قانون واحد كامل لا تشوبه العيوب ولا تخرقه الثغرات لحماية العمال الأجانب. قانون العمل، إستثنى معظم العمال الأجانب في لبنان من الحقوق الأساسية، ليصبح هؤلاء تحت حكم عرف إبتكره أصحاب المصالح ويسمّى "نظام الكفالة". ينفي وزير العمل السابق شربل نحاس في حديث لـ "المدن" أن يكون قانون العمل قد ميّز بين أجنبي ولبناني "بل إستثنى من أحكامه بعض الفئات الوظيفية". قانون العمل مثلاً لم يشمل عمال البيوت سواء أكانوا لبنانيين أو أجانب. ويضيف :"لا يوجد في قانون العمل ما يسمى بنظام الكفالة أو الكفيل، يوجد فقط عقد العمل ورب العمل. والأجنبي لا يحق له القدوم الى لبنان، إلا إذا كان لديه إجازة عمل ورب عمل". أمًا عن نظام الكفالة، يصفه نحاس "بالتركيبة" التي قام بها أصحاب المصالح لضمان حقوقهم عبر تغييب مصلحة العمال. يشرح نحاس: "عند إستقدام عامل أجنبي، يعتبره الكفيل سلعة، فهو يدفع مبالغ طائلة لإستقدامه، كتكلفة السفر ومصاريف العامل، ولتغطية هذه النفقات وجد نظام الكفيل".   
رحلة العامل الأجنبي في لبنان ليست نزهة في الربوع اللبنانية. فهي تستلزم منه قوة وشجاعة للتخلي عن بلده، والجري خلف لقمة العيش، تماماً كما اللبنانيين المغتربين. ليأتي ويصطدم بنظام غير قادر على حماية حقوقه كإنسان أولاً، وفقير ثانيًا. نظام يسهّل على الكفلاء ممارسة سياسات قمعية بحق العمال الأجانب، تبدأ بالراتب القليل وصولاً الى إستملاك العامل الأجنبي وصولاً الى فرض "حظر تجوّل" عليه.
يقول المحامي بالإستئناف علي مروة لـ "المدن" بعد مراجعة قانون العمل اللبناني، لم نلحظ في بنوده ما يتطرّق الى نظام الكفيل المعمول به في معظم بلدان الخليج العربي والذي يخضع له السواد الأعظم من اللبنانيين العاملين في هذه الدول، بذلك فإن نظام الكفالة المعمول به في لبنان عبارة عن عرف لا أكثر.
في الإطار عينه، تؤكد المحامية موهانا إسحق ما جاء على لسان مروة وتقول لـ "المدن" : "في لبنان لا يوجد قانون عمل ينظم عمل الأجانب. بل هناك عرف متبّع يجبر العامل الأجنبي على الحصول على كفيل أو رب عمل ووضع كفالة مصرفية بقيمة 1000$". 
وتشير منسقة مشروع حماية ودعم حقوق الأجانب في كاريتاس لبنان حصن الصيّاح في حديث لـ "للمدن" إلى أن "هناك أكثر من 200 ألف عامل أجنبي في لبنان، غالبيتهم تعمل في الخدمة المنزلية، ومعظمهم يأسرهم نظام الكفالة داخل المنازل حيث يمنعون من الخروج والإتصال بأقاربهم في الخارج. كما إنهم يحرمون من رواتبهم ويتعرض عدد منهم للضرب والإهانة". والمشكلة أن العمال الأجانب يدرجون شكليًا في إطار قانون العمل، ولكن لا يحق لهم الإفادة من حقوق العامل المنصوص عليها. أمّا عاملات المنازل فهن لا يخضعن لقانون العمل، بل يسرن وفقًا لعقود بينهن وبين الكفيل التي تتضمن الكثير من الثغرات. وتضيف " نظام الكفالة لا يقيّد العامل الأجنبي فقط، بل الكفيل أيضًا. لأنه بحسب هذا النظام يكون الكفيل مسؤولاً عن العامل أمام القضاء. وبالتالي يعيش في حالة قلق لتحمله مسؤوليات العامل الأجنبي". 
إنها سياسة استملاك وإستعباد تعود الى وقت كان يتجمع العبيد في سوق النخاسة للمتاجرة بهم. ووفق العرف المتبع يخضع العمال الأجانب للإرهاب الإجتماعي فإمّا يخضعون للكفيل أو يدخلون السجن أو يرحّلون. 
 

No comments:

Post a Comment