Thursday, November 7, 2013

مناهضة العنصرية بالفرح


لحظة وصول العاملة الأجنبية إلى مطار بيروت تبدأ سلسلة الإنتهاكات لحقوقها. تحشر فيغرفة ضيّقة مع كثيرات غيرها في انتظار أن يأتي الكفيل. لا استقلاليّة لها كإنسان. تعامل كأنها سلعة تنتظر من يشتريها. إلا أنّ نظام الكفالة هذا الذي يستملكهنّ منذ وصولهنّ ويحرمهنّ أبسط حقوقهنّ كأناس، ليس وحده ما يشكّل معاناتهن ويجرّدهن من الإنسانيّة. إذ يتعرض عدد كبير من العاملات والعمال الأجانب في لبنان إلى ممارسات أقلّ ما يمكن وصفها بأنها عنصريّة. وقانون العمل اللبناني الذي يرفض حماية العاملة الأجنبية يأبى أيضاً محاسبة من يرتكب بحقها التجاوزات، إذ لا تستطيع حتى رفع دعوى قضائية ضد من ينتهك إنسانيتها.

الحاجة إلى محاربة الإنتهاكات الكثيرة في حق العاملات الأجنبيات، خلقت "حركة مناهضة العنصريّة"، بحسب المنسقة العامّة للحركة، فرح سلكا. وبرغم العنوان الفضفاض للحركة إلا أنّها متخصصة أساساً في مساعدة العاملات في المنازل. وهذا لا يمنع تنظيمها بين الحين والآخر، تحركات مناهضة للعنصرية تجاه اللاجئين السوريين أو غيرهم.

وتشرح سلكا: "اقتصرت نشاطات الحركة في البدء على مساعدة العاملات اللواتي يواجهن مشاكل، مثل الاعتداء الجسدي وعدم دفع الأجور والعنصرية والتمييز وغيرها". لكن في ما بعد، توسعت الحركة لتشمل أيضا العمال الذكور، ما "استدعى إيجاد مساحة خاصة لهؤلاء فكان "مركز العمال المهاجرين" الذي افتتح في أيلول 2011 في منطقة النبعة، كنقطة تجمّع ومتنفس حياة". غير أن "بعض القنوات الإعلامية وعبر بعض تقاريرها المحرّضة، إستنكرت حق هؤلاء في الحياة بشكل طبيعي، وسرعان ما تحوّل المركز إلى مكان غير آمن ليصبح الذهاب إليه مساء نوعاً من المغامرة. لهذا السبب، إضافة إلى ضيق المساحة، انتقل المركز إلى منطقة الجميزة".

"المركز هو المكان الوحيد الذي يدافع عن حقوقنا ويساعدنا للإستمرار في الحياة"، تقول راحيل لـ "المدن"، وهي عاملة مهاجرة عانت نظام الكفالة في لبنان. تعرضت راحيل لسوء المعاملة، واضطرت أحياناً إلى العمل مجاناً، لكنها تؤكد أنّ ما مرّت به لا يذكر أمام معاناة غيرها. ليديا، كان حظّها أوفر من الآخرين، فكفيلها لم يسيء إليها. لجأت إلى المركز لتعلّم اللغات، ثم أصبحت عضواً فاعلاً فيه. "أشعر أنه منزلي"، تقول ليديا. وتؤكد أن كل الناس سواسية هنا، "لا يوجد مسؤول أو شخص أهم من الآخر، يأتون إلى المركز الذي يؤمن لهم وللأطفال أشياء غير متوافرة في أماكن أخرى، كالنشاطات والألعاب وتعليم الطبخ واللغات وغيرها، ومن دون مقابل".

المركز يتألف من غرف عدة، واحدة للإجتماعات، وأخرى للأطفال تحتوي على ألعاب وتقام فيها نشاطات للأطفال، وغرفتان لأجهزة الكومبيوتر والانترنت لأن العمّال في حاجة دائماً إلى التواصل مع عائلاتهم وأصدقائهم في الخارج. كما أنه يقيم دورات كومبيوتر وإنترنت. تتحول الغرف كلّها، خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى غرف للدراسة. فالمركز يؤمن دورات لتعلّم اللغات: العربية، الإنكليزية، والفرنسية، ويقسّم العمال بحسب مستوى اللغة. وهناك أيضاً دروس في الطهي. وتقام دورات متنوعة بحسب الأشخاص الذين يتطوعون لإعطاء ورشات عمل. مثلاً، نظذمت ورشة تحت عنوان "المشورة القانونيّة". وكي لا يشعر العمال وأطفالهم بالعزلة، وبأن نشاطاتهم تنحصر في المركز، يبادر المشرفون على المركز إلى إقامة نشاطات ترفيهية وإجتماعيّة خارجه.

أعضاء المركز يدركون جيداً أنّ هناك أشياء ليس في مقدورهم تغييرها، كنظام الكفالة مثلاً الذي يتطلّب تغييّره وقتاً طويلاً. ومع ذلك يحاولون... وبرغم الأعداد الكبيرة للعاملات اللواتي يستقطبهن المركز، إلا أن هناك شريحة أكبر لا يستطيع الوصول إليها، لأن النظام اللبناني يسمح ببقائها سجينة بين جدران المنازل.

No comments:

Post a Comment