Friday, November 15, 2013

كِلى سوريّة للبيع

AlMudun Link

ثلاثة رجال في سيارة واحدة في بيروت، بالإضافة إلى السائق.
رائد، شاب سوري يبلغ من العمر 19 عاماً. مقيم في لبنان منذ 7 أشهر، بعدما إضطرته الحرب في حلب إلى مغادرتها مع عائلته المكونة من ذويه وأخوته الستة. العائلة استنفدت ما لديها من مدّخرات خلال فترة قصيرة من الإقامة في بيروت. فجأة يسمع رائد من قريب له أن الحل ببيع إحدى كليتيه.
الشاري رجل إسمه أبو حسين ذو عنق كالثور (الرجل الثاني في السيارة).
أبو حسين يعمل لدى عصابة تتاجر بالأعضاء، ومتخصصة بالكِلى. تشهد تجارة العصابة إزدهاراً في الآونة الأخيرة. رئيس أبو حسين يعرف في النواحي الفقيرة بإسم "الرجل الكبير".
أبو حسين: في ما يتعلق بالكِلى فان الباعة أكثر من الشراة.
أبو حسين أيضاً: أربعة رجال من المستخدمين لدى "الرجل الكبير" توسطوا لبيع 150 كلية خلال الأشهر الإثني عشر الأخيرة.
أبو حسين أيضاً وأيضاً: ثمة عصابات أخرى تقوم بالأمر نفسه. وقد قمت في الأشهر الأخيرة بنقل ما بين 15 إلى 16 متبرعاً سورياً، جُلّهم تراوح أعمارهم ما بين الـ14 و30 عاماً، الى العيادة السرّية.
رائد، لاعب كرة القدم في المنتخب الوطني السوري للشباب، تقاضى سبعة ألاف دولار لقاء كليته. وقد أخبره الجراحون بأن كليته سرعان ما ستعاود نموّها، وبأن العملية لن تترك آثاراً جانبية.
رائد، الجالس في المقعد الخلفي للسيارة يطالب أبو حسين بمسكنات الألم التي وعده بها.
أبو حسين صارخاً: سد بوزك. آخر همي إذا بتموت. أصلاً، أنت منتهي.
(...) إنتهى الإقتباس.
الوقائع أعلاه التي أعيد صوغها بتصرّف ليست جزءاً من سيناريو فيلم درامي، وليست أيضاً قصة من القصص التي غالباً ما تقع في جمهورية موز نائية في النصف الثاني من الكرة الأرضية المقابل لنصفنا. وإنّما هي قصة من قصص اللاجئين السوريين في لبنان، نقلها الصحافي أولريك باتز في تحقيق له في "شبيغل اونلاين" قبل أيام.
في الواقع، أولريك هو الرجل الرابع في السيارة. لا أحد يعرف كيف سُمح له بذلك، لكنه ما حصل بحسب تأكيده، وبحسب الوقائع التي ينقلها. وقد حاز تقريره أكثر من 7 ألاف مشاركة حتى الساعة. كما تضمّن صورة نصفية للشاب رائد، مع قطعة من الشاش مدموغة بالدماء (وربما بالمطهّر؟) من ناحية كليته اليسرى التي إستؤصلت لقاء 7 ألاف دولار.
كلية بـ7 آلاف دولار في لبنان. يشتريها لبنانيون وعرب طلباً للشفاء من داء الكِلى، فيما يبيعها لاجئون سوريون وجدوا أنفسهم متروكين لمصائرهم، بلا خبز ولا كساء ولا سقف يقيهم الجوع والبرد والقيظ على السواء.
لاجئون يقوم النظام السوري بقتلهم مباشرة أو بتهجيرهم، لا تقوم قيادة المعارضة التي تدعي أنها الممثل الشرعي لهم سوى بتوفير شروط موتهم البطيء خارج أوطانهم وبأبشع السبل. بإختصار، لا تقدّم لهم شيئاً بإستثناء أنباء مخزية جديدة عن فضائحها، أو صفعاتها.
أما لبنان الذي يستضيف اليوم بحسب آخر تقارير الأمم المتحدة ما يزيد عن المليون لاجئ سوري، بينهم حوالي 800 ألف مسجل، فلا يفعل غير الندب كعجوز لا يملك من أمر مستقبله شيئاً. يروح يشكو عجزه، وتداعي ركائز إقتصاده، وعدم إيفاء الدول الكبرى بتعهداتها بتقديم مساعدات للاجئين السوريين في لبنان. يرى السوريين يموتون أو يدفعون إلى ذلك، فيقف يتفرج، كما لو أن شيئاً لم يكن.
في الغضون، هذا ما يحصل في لبنان. وهذا ما ستسجله كتب التاريخ:
السوريون في سوريا يقتلون. وفي لبنان يجرّدون من إنسانيتهم حد بيع حيواتهم، إرباً إرباً.
أمّا إنسانيتنا، وهي أغلى ما نملك، فنراها تتبدّد أمامنا قطعة فقطعة. تكاد تنفد. أو بالأحرى نفدت منذ دهر، أو أكثر قليلاً.
ما عدنا نملك ترف الإحساس. بتنا، لا أكثر من فتات على قارعة طريق لا يقصدها أحد. ففي آخرها لا يوجد غير العدم.

No comments:

Post a Comment