Friday, December 13, 2013

«فوبيا» السوريين تضرب الإعلام اللبناني


«رهاب السوريين»، ليس بوافد جديد على الإعلام اللبناني. تقرير إخباري من هنا، برنامج «ترفيهي» من هناك، تغريدة من هنالك، مقال من هنالك، كلّها تجلّيات مختلفة للوحش العنصري الكامن في عقلنا الباطني. خلال الأشهر الماضية، تحوّل اللاجئون السوريون في لبنان إلى رمز لكلّ الشرور والأمراض والعلل. فهم السبب في زحمة السّير، وغلاء المعيشة، والجرب، والفقر وحتّى العنوسة!
تكشف إحدى الصّحف اللبنانية في تقرير نشر قبل أيّام، ما كان مستوراً. اللاجئات السوريّات، اللواتي يتمّ «شراؤهنّ» بمئة دولار، هنّ من يسببن «عنوسة» 85 في المئة من اللبنانيّات. يرتكز هذا الرقم على تقرير نشرته «إذاعة هولاندا» قبل أشهر، واكتشفته الصحيفة متأخرة. وبغضّ النظر عما تشي به عبارة «عنوسة» من احتقار للمرأة، فإنّ التقرير يمنح لنفسه حقّ تصنيف جميع اللاجئات السوريّات بـ«العاهرات».
صحيفة أخرى، تخصِّص افتتاحيّاتها على مدى أسبوع كامل للتحذير من تزايد عدد اللاجئين السوريين، ثمّ تنبّهنا إلى ضرورة عدم «الاصطدام بالسّيارات السّورية» على الطرقات اللبنانيّة. تخاف الصحيفة من «كميّة الأجانب» التي «تجتاح لبنان»، كما ورد في تقرير نشرته مؤخراً. في المقابل، تخصص جزءاً كبيراً من صفحاتها للتباهي بملايين «اللاجئين» الذين يرفعون اسم لبنان في بلاد الاغتراب! انتقلت العدوى نفسها إلى المواقع الإلكترونيّة، حيث تنتشر عبارات «»نَوَر» و«إرهابيّون»، إلى جانب نبرة التخويف من دور محتمل للاجئين «السنّة» في تغيير «ديموغرافيا» لبنان.
أمّا على الشاشات فحدّث ولا حرج. فبعد المعركة الطاحنة بين «أو تي في» و«أم تي في» لإثبات مَن منهما تخاف على المسيحيين أكثر من الأخرى، ومَن منهما تكشف «فضائح» بيع أراضي المسيحيين «للإسلام» أكثر من الثانية، تدخل المحطّتان معركة إثبات مَن منهما «الأشطر» في بثّ سموم العنصريّة ضدّ اللاجئين السوريين. في تقرير بعنوان «عبوة الضابط السوري» («السفير» 21/9/2013) فتحت «أم تي في» الهواء لمواطنين قرّروا طرد السوريين من منطقتهم بالقوّة. وجهدت «أو تي في» من جهتها في إثبات أنّ جميع اللاجئين في لبنان، ينتمون إلى جبهة النصرة. أمّا قناة «الجديد» فبيّنت في أحد تقاريرها الإخباريّة أنّ جميع اللاجئين متسوّلون («السفير» 26/7/2013).
البرامج الكوميديّة بدورها، لم تعد تعرف طريقاً إلى «ضحكة المشاهدين»، سوى السخرية المبتذلة من اللاجئين السّوريين. تعتمد «أل بي سي» ازدواجية المعايير في هذا المجال. ففي حين تبثّ تقارير إخباريّة متعاطفة مع قضايا اللاجئين، تترك الباب مفتوحاً للعنصريّة في البرامج الكوميديّة على شاشتها. هكذا، تمّ تخصيص «فقرات شبه ثابتة» لـ «فوبيا السوريين»، في برنامجي «بس مات وطن» («السفير» 29/4/2013)، و«كتير سلبي شو». أحد اسكتشات الأخير بعنوان «كم دجاجة في بالكيس»، يستحضر «غباء» السوريين. بطلا التقرير يتكلّمان اللهجة السوريّة بطلاقة، يسأل الأوّل الثاني: «إذا عرفت كم جاجة بالكيس بعطيك ياهن تنيناتن»، فيردّ الثاني «3 جاجات؟». يردّ الأوّل أنّ الإجابة خاطئة، فيسأله الثاني عن عدد الدّجاجات في الكيس، فيقول: «حسب ما أذكر، أربعة». كذلك الأمر على شاشة «أم تي في» التي ثبّتت «فقرة النكات على السوريين» في برنامج «ما في متلو»، وكان آخرها مشهد يصوّر أمّاً تكاد تصاب بالفالج من تحوّل «غريب» في لهجة ابنها، لدى عودته من المدرسة، حين يقول لها: «شنّو كل رفقاتي هي السنة بيحكوا هيك يامو».
يتعاون الإعلام وأهل السياسة، في ابتكار أشكال جديدة من التعبير عن «فوبيا السوريين». ففي وقت يبحث وزير الطاقة (وكلّ الطاقات) في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، عن تمويل لطرد اللاجئين من لبنان، حلّ زميله في تكتل التغيير والإصلاح زياد أسود ضيفاً أمس الأوّل على داليا داغر في برنامج «عا سطوح بيروت» («أو تي في»). وفي الحلقة، يبرّر أسود سبب حمله مسدّسه الخاص في اعتصام «سلمي» ضدّ اللاجئين في لبعا الجزّينيّة. يقول: «أنا نزلت بفردي تيحسّوا الناس بطمأنينة، ويشعروا أنو في نايب ما بيوقف وراهن، بيوقف قدامن». ضيفة الحلقة نفسها مصممة الأزياء المخضرمة بابو لحود، كان لها رأيٌ بالموضوع أيضاً، إذ قالت: «اللاجئ لازم ينعمل له محلاّت ليلتجئ فيها، مش يغزوا البيوت والمدارس». 
تكرّس معظم وسائل الإعلام اللبنانيّة خطاباً عنصرياً ممنهجاً في الفضاء العام، وتدعو المشاهدين للتآلف معه. الحجج كثيرة، منها التخويف من الغرباء، واللعب على «رهاب الآخر» الراسخ في المجتمع اللبناني، والتذرّع بحسّ النكتة للتستير على أحقاد قاتلة. «المجلس الوطني للإعلام»، و«مكاتب مكافحة الجريمة»، ووزارة الإعلام منشغلون بليلى عبد اللطيف هذه الأيّام. أمّا العنصرية المستشرية على الشاشات، والمواقع الالكترونيّة، وفي الصحف، فليس هناك من يردعها، رغم ما تتضمّنه من تحريض على الكراهية والحقد. فأين سينفجر كلّ ذلك الحقد الذي يتمّ ضخّه في القلوب، كلّ يوم، وكلّ ساعة؟

No comments:

Post a Comment