Friday, March 14, 2014

ضدّ العاملات الأجنبيات: «نحن الجلادين أدناه»


تقول الصحافية في صحيفة «البيان» الأسبوعية، إن «أرباب العمل بحاجة إلى حماية من العاملات الأجنبيات». والعنوان ليس مزحة، وإن كان سمجاً ومنفراً للغاية. مساواة الجلاد بالضحية، في لحظة ضعف الأخيرة. هذه هي الفكرة التي تقوم العنصريّة على أساسها. الجلاد يعتقد أنه ضحية، وأن العنصريّة هي لحظة الثأر المفترضة والأبديّة. مساواة الجلاد بالضحية ليست فعلاً عنصرياً بحد ذاتها، إنها الحجر الأساس.

اسمعوا جيداً ما تقوله جودي الأسمر، في «البيان»: «الكثير من الأسر ذات الصيت الحسن والسيرة الجميلة، التي يشهد لها الجميع عانت مع العاملات الأجنبيات اللواتي بادلْنها المعاملة الجيدة بالإجرام أو السرقة، أو تنفيس عقدهنّ النفسية». الأسر ذات الصيت الحسن والسيرة الجميلة، والحق أنه لا أحد يمكنه أن يفهم كيف يمكن أن تكون سيرة الأسرة جميلة، إلا تلك النوعية من المحافظين التي تنبذ الفئات الاجتماعيّة وتضعها في خانة «أقل». فسّرت الأسمر «القطبة المخفيّة» في الموضوع. وضعت إصبعها على الجرح تماماً: «عقدهن النفسيّة». وإن كان بالإمكان تفسير الرخام، فإن تفسير هذه الكراهية قد يكون ممكناً. إن كان تفكيك الجبال إلى بحص ممكناً، فإن تبرئة الكاتبة من العدائية قد يكون ممكناً أيضاً. طبعاً، لم تجر دراسةً، ولم توضح كيف تكون «العقدة النفسيّة»، وهذا ينسحب بدوره على علاقة اللبنانيين السطحية مع الطب نفسي، وسوء فهمهم له. اللافت أن النص ذاته يشير إلى انتحار عاملة كل أسبوع، وإلى وفاة وضرب الكثير من العاملات «المعقدات نفسياً»، وفقاً للنص. وللأمانة، هذا ليس نقداً، بل دعوة إليهن للمواجهة. يوماً بعد يوم، يتضح أن البلاد تعج بالمعقدين نفسياً. وغالب الظن أن الوصف هنا في مكانه، طالما أننا نتحدث عن كراهية لا ترتكز إلا إلى بعض الحالات التي أظهر القضاء اللبناني، بعد تحقيقات خجولة العدد، أن الحق كان مع العاملات في كثير من القضايا.
وإذ كانت «البيان» تقريباً مغمورة، فكيف تكون الحال عندما تنشر صحيفة «عريقة»، كالـ«نهار» مقالاً يحرّض على العاملات الأجنبيات. يصير تفكيك البنيّة العنصريّة لفئات واسعة من الشعب اللبناني أمراً سهلاً. تسأل الصحافية ليال كيوان، ببراءة طبعاً: « وهل فعلاً معاملتهن سيئة الى الحد الذي يجري تصويره؟». تضعنا الزميلة كيوان في موقع حرج هنا. تجبرنا على أن نسأل عن أنفسنا: ألا تقرأ الصحف؟ ألا تشاهد التلفزيون؟ ألم تسمع بمؤسسة اسمها «هيومن رايتس واتش»، أو «قوى الأمن الداخلي»؟ هذه مصادر، تقريباً مجانيّة للصحافيين، وهي متاحة للجميع. لقد وصل معدل انتحار العاملات في لبنان، إلى واحدة كل أسبوع. برأي الزميلة كيوان، على ما يبدو، هذا ليس كافياً. يجب أن يَنتحرن أو يُنتحرن جميعاً، لكي تطمئن إلى أن الظلم الذي تتعرض له العاملات حقيقي، لا رغبة من أحد في «تشويه صورة لبنان»، كما حذرت في سؤال عبقري آخر. وهذا سؤال آخر، إن كان يبعث على شيء، فإنما يبعث على السأم من كل هذه الشعارات الشوفينية، التي أكل الزمن عليها وبصق. الكارثة الكبرى أن العاملات ضحية نظام بطريركي، ما انفك يفتك بالجميع، ويتنامى ويجد دائماً من يصفق لهذا التنامي من بين ضحاياه. للأمانة، أدت كيوان شيئاً من واجباتها الصحافية، وأخذت رأي «الناشطة في حقوق الإنسان»، غادة الريس. لا نعرف طبيعة الأسئلة التي وجهت إلى الريس، أو إن كانت الكاتبة قد اجتهدت في الاقتباس أيضاً، لكن ما قرأناه يقول إن الريس «وضعت تصرفات العاملات الأجنبيات مقابل تصرفات أرباب العمل، وأشارت إلى أن العاملات أيضاً، وفي حالات كثيرة، يأتين بأعمال منافية للأصول مع مستخدميهن.».
وإذا كان هذا صحيحاً، فإنه يسقط عنها صفة «الناشطة»، ويتيح لنا استبدال صفة «حقوق الإنسان» من التعريف عنها، إلى «حقوق أرباب العمل».
والحق أن الإسرائيليين يقولون الكلام نفسه حين يقتلون الأطفال في غزة. الأطفال يرشقون الدبابات بالحجارة. والحق أن الأنظمة قالت إن شعوبها إرهابية عندما خرجت عارية تطالب بالحريّة. والحق أيضاً، أن الفاشيين قالوا إن أعداءهم يخططون لقتلهم دائماً. وكان يتبين العكس دائماً.
«العكس» واضح في حالة العاملات الأجنبيات، ولا يحتاج إلى تفسير. نتحدث عن نظام «الكفيل» المذل. عن عشرات حالات التحرش والاغتصاب، التي لا تقيم لها الزميلتان جودي وليال أي وزن. نتحدث عن انتحار العاملات. لمعلومات الزميلة في «النهار»: لبنان جحيم، ويمكن وضع فئات كبيرة من شعبه في خانة العنصريّة، دون أي التباس. وما مقالها «المتخاطر» مع مقال الأسمر إلا دليل قاطع على ذلك.

No comments:

Post a Comment