Wednesday, May 21, 2014

جمل 'النهار'.. بما حَمَل!


لا جِمال في لبنان. سلّمت صحيفة "النهار" اللبنانية العريقة بذلك. إفترضت أيضاً أن لا أثر لرمزية الجمل في البلاد الفينيقية. الإيحاء بعروبة لبنان، وامتداده الصحراوي والعشائري البدوي، والإسلامي إستطراداً، يجب إستبعاده من نطاق التفكير اللبناني. على الأقل، هو ما يرغب فيه كاتب التعليق على صورة نشرتها الصحيفة الأربعاء. في ذهنيته، كل هذه الرموز تتناقض مع لبنان. وما كان الرمز ليكسر صورة أدونيس وعشتروت وآلهتهما، لولا لاجئيْن سورييْن خرقا المشهد الحضاري للبنان بالظهور في منطقة الأونيسكو في بيروت. هو إفتراض، لا بدّ أن يعيد الشوفينية اللبنانية الى البروز مجدداً، إنقلاباً على عبارة "ذات وجه عربي" التي وردت في مقدمة دستور لبنان الحديث، الذي كرسه إتفاق الطائف 1989. 
تعليق صغير على "صورة اليوم"، من شأنه أن يعيد لبنان الى النزاع الأول، قبل العام 1989. كل الهجمات على اللاجئين السوريين في "سويسرا الشرق"، في كفّة.. ولصق تعليق "من المظاهر المتزايدة جراء اللجوء السوري - جمل أمام قصر الأونيسكو" بصورة جملَين ظهرا أمام قصر الأونيسكو، في كفة ثانية. يحاول كاتب التعليق الذي لم يدقق فيه على ما يبدو، مدير تحرير أو رئيس تحرير، أن يحمل اللاجئين مسؤولية عودة لبنان الى المربع العربي. ومن قال إن لبنان ليس عربياً؟ إذا كان الدستور اللبناني يعترف بالوجه العربي لهذا البلد، كيف يتنصل كاتب تعليق في جريدة عريقة من وجه لبنان؟ الجمل هنا رمز تخلّف ونكوص، في رأي كاتب التعليق، والسبب؟ اللجوء السوري!
عنصرية كاتب التعليق مضاعفة. لا يمكن فصلها عن هجمة شوفينية لبنانية ضد اللاجئ السوري. كما لا يمكن إستبعادها من طموحات جزء من اللبنانيين، بعزل لبنان عن محيط عربي، والتملّص من هوية ساكنيه وأصولهم. وما كان التعليق ليثير الضجة المثارة اليوم في مواقع التواصل الإجتماعي، لولا إضاءة الكاتب محمد علي الأتاسي عليه، في نص نشره في صفحته الفايسبوكية تحت عنوان "عودٌ على بدء". فقد سبق للكاتب الذي لطالما ساهم سابقاً بمقالات الصحيفة العريقة، الى مقاطعتها، على خلفية  تقرير مصور بثته "النهار" في موقعها العام الماضي، وكان يضج بالعنصرية، ثم أزالته تحت الضغط . وهو، اليوم، يجدد الدعوة إلى مقاطعة الصحيفة، بأثر من صورة الجمل.  
غير أن أداء "النهار"، اليوم وقبل عام، ليس سوى صدى الحملات السياسية على اللاجئين، رغم أن الموقف السياسي للصحيفة من الأزمة السورية هو موقف 14 آذار، غير أن ثمة تخبطاً داخلياً فينيقياً على ما يبدو. 

يتذرع أصحاب الحملات، منذ شهور، بالأرقام أحياناً، لتطويق اللاجئين وإبراز "مخاطرهم" على "الكيان"، ولا داعي للتذكير بأقوال مذهلة لوزير الخارجية العوني، جبران باسيل. لا تُستثنى الهجمة من سياق حملات على اللاجئين، يشنها داعمو النظام السوري ومعارضوه. قد يُفهم سبب تضخيم موقع "التيار الوطني الحر" في الإنترنت لنسبة الولادات السورية في لبنان، خلال العام 2013، على نحو دعائي مبالغ فيه وغير حقيقي. فالموقع الناطق باسم تيار لم يعلن الخصومة مع النظام السوري، بل مع معارضيه، ويستند الى خلفية سياسية دفعته ربما إلى زيادة نسبة ولادات الأطفال السوريين في لبنان، مئة ألف طفل، بالقول إن عددهم ناهز الـ 131 ألف طفل، علماً أن التقرير الصادر عن "ستاتستكس ليبانون"، يؤكد أن عددهم 31 ألفاً في مقابل 72 ألف طفل لبناني. لكن ما لا يُفهم هو نَفَس "النهار"، أو بعض وسائل إعلام الجناح المسيحي في 14 آذار، إلا بإعادة الحملات الى "عنصرية فينيقية"، رغم أن "النهار" كانت من أوائل الصحف اللبنانية التي فتحت صفحاتها لكتّاب سوريين معارضين، كما كانت من أبرز داعمي "ربيع دمشق" 2005. 
تبدو "النهار" رأس حربة التخويف من اللاجئين. حرصها المزعوم على الكيان دفعها، قبل عام الى نشر تقرير مصور يعبر عن هواجس مواطنين من لون واحد، إزاء اللجوء السوري. ردّ يومها مدير التحرير غسان حجار، على محمد علي الأتاسي، بالقول إن الصحيفة ترصد آراء الناس. طبعاً، رصدت آراء أشخاص من لون واحد، في منطقة تبدو متخوفة من اللجوء... ماذا لو صوّر التقرير في منطقة أخرى تحتضن آلاف اللاجئين؟ هل ستكون الإجابات واحدة؟ 
يدرك حجّار، بالتأكيد، التفاوت في الرأي، بين منطقتين، حول اللاجئين. ولم يفلح تبريره في إبقاء الفيديو على الموقع، إذ أزيل تحت الضغط، على ما يقول الأتاسي. مر عام، ونُشرت الصورة الأربعاء. أوحى التعليق عليها بأن النازحين السوريين يتحدرون من الصحراء. متحجرون. شوّهوا صورة لبنان الحضارية. أضفوا عليها جانباً بدوياً وريفياً. أعادوا المدينة الى البادية! حسناً، إذا كان هذا التصور واقعاً، لماذا لم تتهم المغنية الشابة ميشيل كسرواني بهذه المضامين حين صورت أغنيتها الساخرة في وسط بيروت "عَ ضهر الجمل"؟  
ويستحق التصور عن مصدر الجمل السوري، النقاش. منذ سنوات قليلة، إنحصر وجود الجمال في سوريا في البادية (ريف حمص) وفي دوما (ريف دمشق). والأخيرة، المحاصرة منذ ما يزيد على عشرين شهراً، لا يمكن أن يخرج منها طفل مريض، ناهيك عن جمل. وهل وصل النازحون الى لبنان على ظهور الجمال، إذا ما افترضنا أنهم قادمون من البادية التي تخلو من الإشتباكات المسلحة؟!
لم توضح جريدة "النهار" اللبنانية ما إذا كان راكبا الجملين أمام قصر الأونيسكو، قبل ثلاثة أيام، لاجئين من حمص، أو ريف دمشق، أو حتى البادية السورية. تفترض الصحيفة العريقة أن الجمال إنقطع أثرها في لبنان. تساهم في تكريس خطاب عنصري، دفع بمثقفين سوريين الى الدعوة لمقاطعتها، رغم أن الصحيفة، لا تزال، حتى بعد غربلة كتّابها، تنشر أخبار اللبنانيين على تنوّعهم. غير أن مثل هذا الأداء "المهني" يرجّح الاعتقاد بأن التحول في العام 2010، بعد تقاعد غسان تويني بداعي المرض ثم وفاته، أفضى الى النكوث بالعهد مع سمير قصير، ومع غسان تويني نفسه. 
التغيير المنشود في "النهار"، وإعادة بث روح التنوّع، بات أكثر إلحاحاً. سيكون صلاة متواصلة لروح غسان تويني.. يا سامعين الصوت!

Original Annahar post and picture here.

No comments:

Post a Comment